في:  
                       
 
 
 

من حياة سماحته قائمة المؤلفات الأحکام و الفتاوى الأسئلة العقائدية نداءات سماحته  الصور  لقاءات و زيارات
المکتبة الفقهية المختصة الصفحة الخاصة المواقع التابعة أخبار المكاتب وعناوينها الدروس المناسبات القرآن والمناجات

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليك يا مولاى يا صاحب العصر والزمان عجل الله تعالى فرجك وجعلنا من أعوانك وأنصارك وشيعتك

1 ـ مَن هُوَ القَائِم المُنتَظَر؟

((وَيَسْتَنْبِئُونَكَ ـ يا محمّد ـ أَحَقٌّ هُوَ ؟! . قُلْ : إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ . . وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ) .

قيل : إنّ هذه الآية الكريمة تتحدَّث ـ أيضاً ـ عن آجال الأُمم وتكذيبها الأنبياء ، ونزول العذاب عليها عند انغماسها في الضلال . وفيها يَعِدُ الله تعالى بخروج قائم يطهِّر الأرض إذا غَوَتِ الاُمّة الإسلاميّة وحادت عن طريق الهداية . .

***

بشارة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) بالمهدي (عليه السلام)

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :

ـ لا تخلو الأرض من قائم بحُجّة ، إمّا ظاهر مشهور ، أو خائف مستور ، لئلاّ تبطُلَ حُجَجُ الله وبيّناته . (ورُوي بلفظه عن أمير المؤمنين والباقرين(عليهم السلام) وقال :)

ـ القائم المهديّ من وُلدي ، اسمه اسمي ، وكُنيته كُنيتي . (وقال :)

ـ لا تقوم الساعة حتّى يقو قائم للحقّ منّا ، وذلك حين يأذن الله عزّوجلّ له . ومن تَبعه نجا ، ومن تخلّف عنه هلك . أللهَ اللهَ عباد الله ، فأْتوه ولو حبواً على الثلج ، فإنّه خليفة الله عزّوجلّ وخليفتي! . (وقال :)

ـ المهديّ من عترتي ، من وُلد فاطمة ، يقاتِل على سنّتي كما قاتلت أنا على الوحي . . (وقال لفاطمة(عليها السلام) في مرضه الأخير بعد أن ضرب على منكب الحسين(عليه السلام) :)

ـ منهما مهديّ هذه الاُمّة . (ذاك أنّه من أبناء الحسن أيضاً ، لأنّ فاطمة بنت الحسن هي أُمّ الباقر . فالباقر ومن بعده من الأئمّة حسنيّون وحسيّنيّون . . وقد رُوي أنّه(صلى الله عليه وآله) نظر إلى سبطيه مرّة وقال :)

ـ والذي بعثني بالحقّ ، إنّ منهما مهديّ هذه الاُمّة إذا صارت الدُّنيا هرجاً مرجاً ، وتظاهرت الفتن ، وتقطّعت السُبل ، وأغار بعضهم على بعض فلا كبير يرحم صغيراً ، ولا صغير يوقِّر كبيراً . يبعث الله عند ذلك منهما مَن يفتح حصون الضلالة ، وقلوباً غُلْفاً . يقوم بالدين في آخر الزمان كما قمت في أوّل الزمان . . (وكلمتا : أوّل الزمان وآخره ، تَعنيان زمان الدعوة الإسلامية . . وحصون الضلالة قائمة في كلّ مكان . . والقلوب الغُلف كانت تعني قلوب اليهود خاصّةً في القرآن الكريم ، ولكن قلوب أكثر الناس في أيّامنا هذه غُلْف . . وقال :)

ـ مِن وُلدي اثنا عشر نقيباً : نُجَباء محدّثون مفهَّمون ، آخرهم القائم بالحقّ .

(وقال :)

ـ الأئمّة من بعدي اثنا عشر ، تسعة من صُلب الحسين ، والتاسع قائمهُم . وهم أهلُ بيتي وعترتي من لحمي ودمي . . (وقال :)

ـ نحن سبعةٌ من وُلد عبد المطّلب سادة أهل الجنّة : أنا ، وحمزة ، وعليّ ، وجعفر ، والحسن ، والحسين ، والمهدي . (وقال :)

ـ إنّ لذلك الأمر (أمر المسلمين) وُلاة من بعدي : عليّ بن أبي طالب وأحد عشر من وُلده . . (وقال لعليّ مرّة وبعض أصحابه يسمعون) :

ـ إنَّ خُلفائي وأوصيائي ، وحُجج الله على الخلق بعدي ، الاثنا عشر . أوّلهم عليّ ، وآخرهم المهديّ .

(فالثاني عشر من الأئمّة الأوصياء هو المهديّ عجّل الله تعالى فرجه ، بِنَصّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) الذي قال مكرّراً : الأئمّة بعدي اثنا عشر : أوّلهم أنت يا عليّ ، وآخرهم القائم الذي يفتح الله تعالى ذكْرهُ على يديه مشارق الأرض ومغاربها . . وقال(صلى الله عليه وآله) :

ـ المُقِرُّ بهم مؤمنٌ ، والمُنكِرُ لهم كافر . (وقال :)

ـ الأئمّة بعدي اثنا عشر ، بعدد نُقباء بني إسرائيل ، وبعدد الأسباط ، وبعدد حواريِّي عيسى . مَن خالفهم فقد خالفني ، ومن ردّهم وأنكرهم فقد ردّني ، ومَن أحبّهم واقتدى بهم فاز ونجا ، ومن تخلّف عنهم ضلّ وهوى . فطوبى لمن أحبّهم ، والويلُ لمن أبغضهم . . (وقال يُلفت النظرَ إلى أهمّية الاعتراف بالأئمّة من بعده ، والمسؤولية المترتّبة على مخاصمتهم وقطع رَحمِه بهم :)

ـ إثنا عشر من أهل بيتي ، أعطاهم الله فهمي وعلمي وحكمتي ، وخَلَقهم من طينتي . فويلٌ للمتكبّرين عليهم بعدي ، القاطعين فيهم صلتي! . ما لَهم؟! . لا أنالهم الله شفاعتي! . هؤلاء هم خُلفائي وأوصيائي ، وأولادي وعترتي . من أطاعهم فقد أطاعني ، ومن عصاهم فقد عصاني ، ومن أنكرهم أو أنكر واحداً منهم فقد أنكرني . بهم يُمسك الله السماء أن تقع على الأرض إلاّ بإذنه ، وبهم يحفظ الله الأرض أن تَميد بأهلها . . ثمّ قال يصفهم :)

ـ ألا إنّ أبرار عترتي ، وأطايب أرومتي ، أحكم الناس صغاراً ، وأعلم الناس كباراً . ألا وإنّا أهل بيت من عِلْم الله علْمُنا ، وبحُكم الله حكمنا ، ومن قول صادق سمِعنا . فإن تتّبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا ، وإن لم تفعلوا يُهلككم الله بأيدينا . معنا رايةُ الحقّ ، مَنْ تَبِعها لَحِقَ ، ومن تأخّر عنها غَرق . ألا وبنا يُدرك تِرَةُ كلّ مؤمن ، وبنا تُخلع ربقة الذلّ من أعناقكم ، وبنا يُفتح لا بكم ، ومنّا يُختم لا منكم . .

وورد أنّه قال لجابر بن عبدالله الأنصاري :)

ـ إنّ هذا أمرٌ من أمرِ الله . وسرٌّ من سرِّ الله . عِلَّتُه مطويّةٌ عن عباد الله . فإيّاك والشكّ فإنّ الشكّ في أمرِ الله كُفر! .

(ودخل جابرٌ هذا على فاطمة(عليها السلام) ، وبين يديها لوحٌ فيه أسماء الأوصياء من وُلدها ، فعدَّدت اثني عشر اسماً ، آخرهم القائم ، فعرف أنّ الأمر حتمٌ من أمر الله تعالى . . ومن جملة ما قرأ فيه :)

ـ قال الله تبارك وتعالى : وأعطيتُك ـ يا محمّد ـ مَنْ أُخرج من صلبه (يعني عليّاً) أحد عشر مهديّاً كلّهم من ذريّتك ، من البِكر البتول . آخر رجل منهم اُنجي به من الهلكة ، وأُهدي به من الضلالة ، وأُبرئ به من العمى ، وأُشفي به المريض ، ولأُطهّرن الأرض بآخرهم من أعدائي ، ولأُملّكنّه مشارق الأرض ومغاربها ، ولأُسخّرنّ له الرياح ، ولأُركِّضنَّ له السّحاب ، ولأُرقِّينّهُ في الأسباب ، ولأَنْصُرنّه بجُندي ، ولأمدّنّهُ بملائكتي ، حتّى يُعلِنَ دعوتي ، ويجمع الخلق على توحيدي . . (وقال جابر :)

ـ دخلتُ على فاطمة بنت رسول الله(صلى الله عليه وآله) ، وبين يديها ألواحٌ فيها أسماءٌ من وُلدها . فعددتُ أحد عشر اسماً ، آخرهم القائم(عليه السلام) .

(فبموجب الحديث النبويّ الشريف نرى أنّه(صلى الله عليه وآله) قد أشار بوضوح تام إلى إطالة عمر القائم(عليه السلام) لأنّه ما كان ليخرج إلاّ في مثل هذا العصر الفضائي ، حيث تكثر الطائرات والصواريخ والمركبات الفضائية ، ولا عجبَ إذا مَلَكَ مثل هذه الوسائل التي يتنعّم بها البرّ والفاجر ، ولا غروَ أن يعلو في الجو ، ويرقى الأسباب ، وتتسخّر له الرياح التي يركبها سائر الناس وهم يذرعون الآفاق فوق كوكبنا الأرضي ، يعاقرون المسكرات ويرتكبون المعاصي وهم قابعون على أرائك الطائرات الوثيرة . .

ثمّ يزيد في التأكيد على إطالة عمره من قِبَل الله تعالى ، ويصارح بغَيبة له تمتدّ حتّى يأذن الله تعالى ، قائلاً :)

ـ لا تذهب الدُّنيا حتّى يملك العرب رجل من أهل بيتي يواطئ اسمه اسمي . ولو بقي في غيبته ما بقي نوح في قومه ، لم يخرج من الدُّنيا حتّى يظهر (أي يخرج من الغيبة وينتصر) فيملأ الأرض قسطاً وعدلاً كما مُلئت ظلماً وجوراً .

(وقد لبث نوح في قومه 950 سنة بنصّ القرآن الكريم ، ولعلّها فترة الدعوة والنبوّة فقط أمّا عُمره الكامل فهو بين 1750 و2750 سنة بحسب اختلاف الأخبار التاريخية . . ثمّ ركّز النبيّ(صلى الله عليه وآله) على قضيّته وأنزلها في رأس اهتمامات دعوته . . فقال لاُمّته :)

ـ لَوْ لم يبقَ من الدُّنيا إلاّ يومٌ واحد . لطوَّل الله ذلك اليوم ، حتّى يملك رجلٌ من أهل بيتي ، تجري الملاحمُ على يديه ، ويظهر الإسلام ، والله لا يُخِلف الميعاد .

(وتطلَّع بثاقب بصيرته مرّةً ، فنفَذَ إلى ما يكون عليه أمرُ الأجيال المتعاقبة ، فتنفَّس الصُّعداء وقال(صلى الله عليه وآله) :)

ـ إلى الله أشكو المكذِّبين لي في أمرِه ، والجاحدين لقولي في شأنِه ، والمُضلِّينَ لاُمّتي عن طريقه! . يُبايَعُ بين الرُّكن والمقام = بجانب الكعبة أعزّها الله تعالى = ويفتح فُتوحاً فلا يبقى على وجه الأرض إلاّ مَن يقول : لا إله إلاّ الله .

(ونختتم بيان هويّته الكريمة على لسان جدّه(صلى الله عليه وآله) بقوله :)

ـ يكون لهذه الاُمّة اثنا عشر خليفة . (وقوله(صلى الله عليه وآله) :)

ـ لا يزال هذا الدين عزيزاً . إلى اثني عشر خليفةً . كلّهم من قريش . (وقوله :)

ـ لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقيَ منهم اثنان! . (وقوله الأخير بالتحديد :)

ـ بعدي اثنا عشر إماماً . تسعةٌ من صُلْبِ الحسين . اُمناء معصومون . ومنّا مهديُّ هذه الاُمّة . ألا إنَّ أهل بيتي وعترتي من لحمي ودمي . ما بالُ قوم يؤذونني فيهم؟ . لا أنالَهُمُ الله شفاعتي . (وقوله(صلى الله عليه وآله) الذي وجّه فيه آخر إنذار للناس :)

ـ مَن أنكر خروج المهديّ فقد كفَرَ بما أُنزِلَ على محمّد! .

ـ مَن أنكَرَ القائم من وُلدي أثناء غيبته . مات ميتةً جاهلية! .

(فمن مِن الناس يُصِمُّ سَمعه عن دعوة رسول كريم لا يسأل الناس أجراً على هدايتهم إلى الحقّ؟!!) .

بشارة أمير المؤمنين على(عليه السلام) بظهور المهدي(عليه السلام)

***
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) :

(خاطبَ ولدَه الحسين (عليه السلام) مُقْسِماً) :

ـ التاسعُ من وُلدك يا حسين هو القائم بالحقّ ، والمُظْهِرُ للدين . والباسط للعدل . إيْ والذي بعث محمّداً صلّى الله عليه وآله بالنبوّة ، واصطفاه على جميع البريّة . .

(وقال(عليه السلام) معرِّفاً به :)

ـ هو في الذِّروة من قريش . والشرفِ من هاشم ، والبقيّة من إبراهيم . (وأشار إليه بقوله) :

ـ ومن بعد الحسين تسعةٌ من صُلبه . خُلفاء الله في أرضه ، وحُجَجُه على عباده . وأُمناؤه على وحيه . وهم أئمّةُ المسلمين ، وقادة المؤمنين ، وسادة المتّقين ، وتاسعهم القائم .

(وقال للخليفة الثاني حين سأله عن المهديّ(عليه السلام) :)

ـ أما اسمُه فلا . . إنّ حبيبي وخليلي عَهِدَ إليَّ أن لا أُحدِّث باسمه حتّى يبعثه الله عزّوجلّ . وهو ممّا استودع الله عزّوجلّ رسوله في علمه . . (وهذا من الدلائل على عدم جواز ذكر اسمه ، لأنّ النبيّ والأئمّة جميعاً لم يذكروا اسمه في خبر من أخبارهم رغم كثرتها ورغم تعاقبهم على الحديث عنه في مدى مئتين وخمسة وخمسين عاماً ، وإن كانوا قد دلّونا على اسمه تلميحاً أشبه بالتصريح كما رأيت وترى . (ومن كلامه الذي يصف فيه عظمته وعراقة أصله :)

ـ صاحب هذا الأمر من وُلْدي . . هو من ذروة طَود العرب ، وبحر مغيضها إذا وردت ، ومجفوِّ أهلها إذا أتت ، ومعدن صفوتها إذا اكْتدرت . لا يَجْبُنُ إذا المنايا هَلعت ، ولا يَخور إذا المؤمنون اكتُنِفت .

***
قال الإمام الحسن(عليه السلام) :

ـ من مات ولم يعرف إمام زمانه ، مات ميتةً جاهلية! . (وورد عن الكاظم(عليه السلام)مختوماً بـ : إمام حيٍّ يَعرفه . بل قال سبطه الصادق(عليه السلام)من بعده :)

ـ من بات ليلةً لا يعرف إمام زمانه ، مات ميتةً جاهلية!!! (فتأمّل بما للولاية من خطر عند الله!) .

***
قال الإمام الحسين(عليه السلام) :

ـ التاسع من وُلدي هو القائم بالحقّ ، يُحيي الله به الأرضَ بعد موتها ، ويظهر به الدين ، يُحقّ الحقّ ولو كره المشركون .

***
قال الإمام زين العابدين(عليه السلام) :

ـ لا تخلو الأرض إلى أن تقوم الساعةُ من حجّة ، ولولا ذلك لم يُعبد الله .

(فقد أعطى الولاية المفروضة للحجّة ، في كلّ زمان ، ذات الأهمّية التي جعلها الله تعالى لها ، والتي أعطاها إيّاها جدُّه الأعظم(صلى الله عليه وآله)وأبناؤه . . ثمّ قطع الطريق على ضلالات التفكير ولقلقات الألسنة ، وحسم موضوع الخوض حول الولاية للحجّة على الخلق بقوله :)

ـ الإمامُ ـ المنصَّب من الله طبعاً ـ لا يكون إلاّ معصوماً . وليست العصمة في ظاهر الْخِلقة فيُعرف بها ، ولذلك لا يكون إلاَّ منصوصاً . (ودليلُ صدق هذا القول الذي هو زينٌ في الأقوال كزَين العابدين(عليه السلام) في الرجال ، أنّ ما تقرأه في هذا الموضوع عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام)وعن أصحابه (رض) كلّه نصوصٌ صريحة على القائم المنتَظَر في آخر الزمان . . ثمّ قال :)

ـ إنّ الله تعالى أعطانا الحلْمَ والعلم والشجاعة والسخاوة والمحبّة في قلوب المؤمنين . ومِنّا رسول الله ، ووصيّه ، وسيّد الشهداء ، وجعفر الطيّار في الجنّة ، وسِبطا هذه الاُمّة ، والمهديّ . (وكان غير متبجِّح بقوله ، بل متحدِّثاً عن مواهب الله تعالى لهذا البيت الكريم الذي شرَّف الله مَنْبَتَه!) .

***
قال الإمام الباقر(عليه السلام) :

ـ  . . إيّاك وشذّاذاً من آل محمّد (أي ممّن يدّعون المهدويّة) فإنّ لآل محمّد وعليّ رايةً ، ولغيرهم رايات . . فالْزم الأرض ولا تتّبع منهم رجلاً أبداً حتّى ترى رجلاً من وُلْد الحسين معه عهد نَبيٍّ ورايتُه وسلاحه . . (فقد حذَّر من مدَّعي المهدويّة ، ثمّ عرّفه بذاته وبعلامةِ ما يَحملُه . .

وقال(عليه السلام) معيِّناً كونه ثاني عشر الأئمّة) :

ـ منّا اثنا عشر محدَّثاً ، السابع من وُلدي القائم . (وقال :)

ـ يكون تسعة أئمّة بعد الحسين بن علي ، تاسعهم قائِمهم . (وقال :)

ـ اُنظروا إلى من لا يدري الناس (أي العامّة) أَوُلِدَ أم لا ، فذاك صاحبُكم . .

(وقال يوضح شيئاً جديداً من هويّته) :

ـ هو ابن سيِّدة الإماء . (وسترى شأن والدته العظيمة في موضوع : ولادته . . ثمّ قال :)

ـ إنّ الأرض لا تخلو إلاّ وفيها عالمٌ منّا . فإن زاد الناس قال : زادوا ، وإن نقصوا قال : قد نقصوا . ولن يُخرِج الله ذلك العالِمَ (أي يقبضه إليه) حتّى يرى في وُلده من يَعلم مثلَ عِلْمه . (أي إذا زاد الناس في ممارسة الحلال والحرام دلَّهم على الصواب ، وإذا أنقصوا حدّاً من الحدود دلَّهم على وجهه الصحيح . . وقال :)

ـ لو بقيت الأرض بغير إمام لساخت بأهلها! . وإنّ الله تبارك وتعالى جعلنا حجّة في أرضه وأماناً في الأرض لأهل الأرض .

(ولا تمضِ مع العجب من سيخان الأرض فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قال من قبله) :

ـ لا يزال هذا الدِّينُ قائماً إلى اثني عشر من قريش . فإذا مضوا ساخت الأرض بأهلها . (فإن سَيَخانَ الأرض بأهلها لولا وجود الحجّة ، حديثٌ يصدم أذهان البُسطاء لأوّل وهلة ، إذ يغيب عن البال أنّ وجوده ودعاءه الدائم إلى الله أن يرفع البلاء عن الناس ، وأن لا يأخذهم بذنوبهم ، يمنع عنهم نزول العذاب الذي كان ينزل بالاُمم السابقة ، كالخسف ، والصواعق ، والفيضانات ، وريح السّموم ، وغير ذلك من الآيات المُهلكة التي تُعبِّر عنها الأخبار بسيخان الأرض . . وقد رُويَ هذا بلفظه عن الإمام الصادق(عليه السلام) . ثمّ قال أبوه(عليه السلام) :)

ـ من المحتوم الذي حتمه الله ، قيامُ قائمنا . فمن شكّ فيما أقول ، لَقِيَ الله به وهو كافرٌ ، وله جاحد . (وقال أيضاً :)

ـ مَن أصبح من هذه الاُمّة لا إمام له من الله ، أصبح تائهاً متحيّراً ضالاًّ ، وإن مات على هذه الحال مات ميتة كُفر ونفاق! . (وقد سُئل يوماً :)

ـ هل معرفة الإمام منكم واجبةٌ الخَلق؟ فقال : إنّ الله عزّوجلّ بعث محمّداً إلى الناس أجمعين رسولاً لله وحجّةً على جميع خلقه في أرضه . فمن آمن بالله وبمحمّد رسول الله ، واتَّبعه وصدّقه ، فإنّ معرفة الإمام منّا واجبةٌ عليه ; ومن لم يؤمن بالله وبرسوله ولم يصدّقه ، ويعرف حقّهما ، فكيف يجب عليه معرفةُ الإمام وهو لا يؤمن بالله ورسوله ويعرف حقّهما؟ لا والله ، ما ألهمَ المؤمنين حقّنا إلاّ الله عزّوجلّ . . (ثمّ قال في تأويل الآية الكريمة : (( . . يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالاِْنجِيلِ) : يعني النبي ، والوصي ، والقائم ، يأمُرُهُمْ بالمعروف إذا قام وينهاهُمْ عن المُنكر . . وقيل له :)

***
قال الإمام الصادق(عليه السلام) :

ـ إذا توالت ثلاثة أسماء : محمّد وعليّ والحسن ، كان رابعهم القائم . (وهذا هو الواقع المعتبر عندنا : فقد توالت أسماء محمّد الجواد ، وعليّ الهادي ، والحسن العسكري(عليهم السلام) ، والرابع هو القائم عجّل الله تعالى فرجه . . وقد وردَ عن النبيّ(صلى الله عليه وآله)مثلُه بلفظ :)

ـ إذا توالت أربعةُ أسماء من الأئمّة من وُلدي : محمّد ، وعليّ ، الحسن ، فرابعُها هو القائم المنتظر . (وقال :)

ـ هو الذي يشكّ الناس في ولادته ، فمنهم من يقول : حُمِلَ (أي حملته الملائكة ورفعته إلى السماء) ومنهم من يقول : مات ، ومنهم من يقول : مات أبوه ولم يخلِّف ، ومنهم من يقول : وُلد قبل موت أبيه بسنين . (والقول الأخير هو قولنا اليقين . . وقال :)

ـ إنّ الله أوحى إلى عمران أنّي واهبٌ لك ذكراً سويّاً مباركاً يبرئ الأكمه والأبرص ويُحيي الموتى بإذن الله ، وجاعلُه رسولاً لبني إسرائيل ، فحدّث عمران امرأته بذلك وهي أُمّ مريم . فلمّا حملت كان حملُها بها عند نفسها غلام . ((فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى . . وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالاُْنْثَى) ، أي لا تكون البنت رسولاً . يقول الله : ((وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) . فلمّا وهب الله لمريم عيسى كان هو الذي بشَّر به عمران ووعده إيّاه . فإذا قلنا في الرجل منَّا شيئاً فكان في وُلدِه أو وُلدِ وُلده لا تُنكروا ذلك . (يعني أنّ الأنبياء والأوصياء قد يتكلّمون عن بعض الاُمور على وجه التلميح وعلى أساس المحو والإثبات إذا اقتضت المصالح ، فيظهر خلاف ما يظنّه الذين لا يعلمون المقصود البعيد الذي قد يكون مشروطاً أو مقيّداً . فمن ذلك ما قاله الصادق نفسه(عليه السلام) لبعض أصحابه :)

ـ ألخلَفُ الصالح من وُلدي هو المهديّ! . (ومن أين لنا أن نحلّ هذا اللغز . ونعرف أنّه عنَى ولده السابع؟ كما أنّه من أين لنا أن نعرف أنّ

الله تعالى عَنَى بالذكر الذي يَهبُه لعمران سيكون ابن بنتِه مريم(عليهما السلام)؟ ثمّ قال :)

ـ من أنكر واحداً من الأحياء فقد أنكر الأموات! . (وهو يقصد أنّ منكري وجود الإمام الحيّ الغائب هم منكِرون لآبائه الماضين من الأئمّة باعتبار أنّهم ردُّوا عليهم قولهم ولم يصدّقوا وعدهم به . . وقد فسَّر هذا الحديث قوله(عليه السلام) :)

ـ من أقرَّ بجميع الأئمّة ثمّ جحد المهديّ كان كمن أقرّ بجميع الأنبياء وجحد محمّداً(صلى الله عليه وآله) . المهدي يغيب شخصه ولا يصحّ لكم تسميته! . (ذاك أنّ الجحود بالمهدي هو فعلاً إنكار لواحد من الأئمّة الذين هم اثنا عشر إماماً ، وردٌّ لكلام جميع الأئمّة فيه ، فضلاً عن ردّ كلام جدّه المصطفى(صلى الله عليه وآله)) .

***
قال الإمام الكاظم(عليه السلام) :

ـ يخفَى على الناس ولادتُه ، ولا يحلُّ تسميتهُ حتّى يُظهره الله عزّوجلّ .

***
قال الإمام الرضا(عليه السلام) :

ـ يبعث الله عزّوجلّ لهذا الأمر رجلاً خَفِيَّ المولد والمنشأ ، غير خفيٍّ في نسبه ونفسه . (وقال :)

ـ الرابع من وُلدي ، ابنُ سيّدة الإماء ، يطهِّر الله به الأرض من كلّ جور ، ويقدِّسها من كلّ ظل . وهو الذي يشكُّ الناسُ في ولادته ، وهو صاحبُ الغيبة قبل خروجه . فإذا خرج أشرقت الأرض بنور ربِّها ، ووضع الميزان بالعدل بين الناس فلا يظلم أحدٌ أحداً . وهو الذي تُطوى له الأرض ، ولا يكون له ظِلّ . .

وقال لدعبل الخُزاعيّ الشاعر يومَ قرأ عليه تائيّته المشهورة :)

ـ الإمام بعدي محمّد ابني ، وبعده عليٌّ ابنه ، وبعد عليٍّ ابنه الحسن ، وبعد الحسن ابنه القائم ، المنتظر في غيبته ، المُطاعُ في ظُهوره . . وأمّا متى يقوم فإخبارٌ بالوقت . لا يُرى جسمُه ولا يُسمّى باسمه . .

***
قال الإمام الجواد(عليه السلام) :

ـ إنّ القائم منّا هو المهديُّ الذي يجب أن يُنتظر في غيبته ، ويُطاع في ظهوره ، وهو الثالث من وُلدي . (فلا قائم من الأئمّة(عليهم السلام) يطلب الخلافة بالسيف سواه . وسيُطاع في ظهوره بقوّة سيف الحقّ الذي تهزُّه يمينُه المباركةُ المسدّدةُ من الله تعالى ، فيبسط العدل بعد هذا الظلم الُمحيق بالإنسانية . . وقال :)

ـ إذا مات ابني عليُّ ـ أي الإمام الهادي ـ بدا سراجٌ بعده ثمّ خَفي . فويلٌ للمرتاب . وطوبى للغريب الفارّ بدينه! . (يعني أنّ الويل للشاكِّ بِبُدوِّ السراج الذي هو خليفته العسكريّ(عليه السلام) وبِخفاء سراج آخر إذا غيَّبه القدر . فكأنّه قال : بدا سراجٌ هو العسكريّ(عليه السلام) ثمّ خَفِيَ سراجٌ هو القائمُ المنتظر(عليه السلام) . . وقد عرَّفه بوضوح حيث قال :)

ـ هو سَمِيُّ رسول الله وكنِيُّه ، وهو الذي تُطوى له الأرض ، ويذلُّ كلُّ صعب . .

وقال له أحد أصحابه وكان متشرِّفاً بخدمته : إنّي لأرجو أن تكون القائم من أهل بيت محمّد(صلى الله عليه وآله) فقال :)

ـ ما مِنَّا إلاّ قائمٌ بأمر الله عزّوجلّ ، أو هاد إلى دينه . ولكنَّ القائم هو الذي يخفى على الناس ولادته ، ولا يغيب شخصه . (أي لا يغيب عن الحضور في كلّ مكان وإن كان لا يُرى) .

***
قال الإمام الهادي(عليه السلام) :

ـ ألخَلَفُ من بعدي ابني الحسن . فكيف بكم بالخَلَف بعد الخَلَف؟! . قيل : ولِمَ جُعِلنا فداك؟ قال : لأنّكم لا تَرَونَ شخصه ، ولا يحلُّ لكم ذكرُ اسمه . فقيل له : كيف نذكره؟ قال : قولوا : الحجّة من آل محمّد .

***
قال الإمام العسكري(عليه السلام) :

ـ كأنّي بكم وقد اختلفتم من بعدي بالخَلَف منّي . ألا إنّ المُقِرَّ بالأئمّة بعد رسول الله(صلى الله عليه وآله) المُنكِر لِوَلدي ، كمن أقرَّ بجميع أنبياء الله ورُسله

ثمّ أنكرَ نبوّة رسول الله(صلى الله عليه وآله) لأنّ طاعة آخرنا كطاعة أوّلنا ، والمُنكِر لآخرنا كالمُنكِر لأوّلِنا .

(وقد رُويَ قريبٌ منه عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) وتقدّم ما يشبهه عن الصادق(عليه السلام) أيضاً .

وقد قال العسكري(عليه السلام) لأحد السجناء معه في حبس المعتضد العبّاسي قبل ولادة المهدي بقليل :

ـ إنّي والله سيكون لي ولد يملأ الأرض قسطاً وعدلاً . . (قالها لا على سبيل التسلية وتقطيع الوقت مع قرينه في السجن ، بل ليبلِّغ الحاضرُ الغائب ، وليكون قوله هذا إعلاناً يذيعه هذا السجين أمام أصحاب العسكريّ وأمام أعدائه على السواء . .) .

***
قال الحجّة المنتظر(عليه السلام) :

(جاء في كتاب لسفيره الأوّل رضوان الله عليه :)

ـ  . . وليعلموا أنّ الحقّ معنا وفينا ، لا يقول ذلك سوانا إلاّ كذّاب مفتر ، ولا يدَّعيه غيرنا إلاّ ضالٌّ غويّ . فلْيَقْتَصروا منّا على هذه الجملة دون تفسير ، ويقنعوا من ذلك بالتعريض دون التصريح إن شاء الله . . (وقد قَرُب التفسير . . وسيكون التصريح لغةً واضحة على شَفْرَتي سيفك الذي يحطِّم صُلب الظلم في الأرض يا سيّدي!) .

***
قال ابن عبّاس :

ـ لا تمضي الأيّام والليالي حتّى يليَ منّا أهل البيت فتىً لم تلبسه الفتن ولم يلبسها . قيل : يا أبا العبّاس ، يعجز عنها مشيختكم ، وينالها شبابكم؟! قال : هو أمر الله يؤتيه مَن يشاء . . (وقال :)

ـ سمعتُ رسول الله(صلى الله عليه وآله) يقول : أنا وعليّ والحسن والحسين وتسعةٌ من وُلد الحسين ، مطهَّرون معصومون .

***
قال كعبُ الأحبار :

ـ إنّي لأجد المهديّ مكتوباً في أسفار الأنبياء : ما حُكمه ظُلم ولا عَنَت(أي : فساد . وقال :)

ـ المهديّ مذكورٌ في التوراة والإنجيل . الاُمم كلّها مُجمعة على خروج مخلِّص للبشرية من الظلم والعسف ، حتّى أنّ من شكّ بذلك فقد كفر . وإنّه هو بذاته وصفاته لمكتوب في جميع أسفار سائر الأنبياء . وما أشكل على الناس في ذلك فلا تشكل عليهم ولادته من رسول اللهو ووراثته العلماء من الأئمّة(عليهم السلام) عالِماً بعد عالِم .

***
قال البخاريّ : (المعروف بخواجه بارسا)

ـ إنّ الأحاديث في صاحب الزمان ، الغائب عن العيان ، الموجودة في كلّ الأزمان ، كثيرة متظافرة . وأصحابه قد خلصوا من الريب وسلِموا من العيب ، وأخذوا بطريق الهداية ، وسلكوا من طريق الحقّ إلى التحقيق . وبه خُتمت الخلافة والإمامة ، وهو إمام منذ وفاة أبيه إلى يوم القيامة ، يدعو الناس إلى مِلّته ، وهي ملّة النبيّ(صلى الله عليه وآله) .

***
قال الشيخ محي الدين بن العربي :

ـ هو من عترة رسول الله(صلى الله عليه وآله) من وُلْد فاطمة . جدُّه الحسين بن عليّ . ووالده الحسن العسكريّ .

***
فمن هو هذا المنتظر؟

نعم ، من هو المعنيُّ بهذه الأقوال؟

وهل تخوننا الجرأة إذا أردنا أن ندلّ عليه ، ونميِّزه من غيره؟

لا ، ولكنّنا نقول قبل ذلك : إنّ المسلمين لم يتعوّدوا الشكّ ولا الطعن في قول ثبت صدوره عن النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمّة من بَنيه . ولم يدرجوا إلاّ على تصديق ما يقولون ويصحّ عنهم ، لأنّ محمّداً(صلى الله عليه وآله) لا ينطق عن الهوى ، ولأنّ الأئمّة ينقلون عنه بأمانة مثلُها أمانةُ جبرائيل(عليه السلام) في نقله عن ربّه عزّوعلا . . وهؤلاء كلّهم كانوا يُنذرون بالحوادث والأحداث ، ويصفون علاماتها حتى لكأنَّ المتتبِّع لها يضع إصبعه عليها حين تحدث . أو كأنّ النبيّ والأئمّة كانوا ـ حين يتكلّمون عن ظهر الغيب ـ تنحسر أمامهم الحُجب فينظرون ويصفون كمن يرى الأحداث ويعيشها ويحيا مشاهدها سواءً بسواء . . وما أكثر ما حكَوا لنا في هذا الموضوع! . بل ما أكثر ما وعدونا به ، فكان الأمر كما حكَوا وكما وعدوا . ثمّ ما أكثر الوقائع الفردية والجماعية التي بسطوها للناس قبل أوانها ، فكانت كما بسطوا ووقعت كما رَوَوا . .

أفلا ترى أنّ من أطاع الله أربعين يوماً تتفجّر ينابيع الحكمة من قلبه ، كما هو المرويّ؟! . فكيف بمن كانوا مسدَّدين مؤيَّدين ، محدَّثين مفهَّمين ، لا ينطقون إلاّ بما يصدرون فيه عن رسول الله عن جبرائيل عن الله؟! . وقد قال إمامنا الصادق(عليه السلام) :

ـ إنّه مَن أتى البيوت من أبوابها اهتدى ، ومن أخذ غيرها سلك طريق الردى . وقد وصل الله طاعة وليِّ أمره بطاعة رسوله(صلى الله عليه وآله)وطاعة رسوله بطاعته ، فمن ترك طاعة ولاة الأمر لم يطع الله ورسوله . .

فمَن هو القائم المنتظر إذا أردنا أن ندخل البيوت من أبوابها؟

ممّا لا شكّ فيه أنّه هو ذلك المولود من صُلب إمامنا العسكريّ الذي يرضى بخلافته أهل السماء وأهل الأرض والطير في كبد الجوّ . يدلّ على تعيينه بالذات الحديث الثابت الدالّ على أنّ الأرض لا تخلو من إمام معصوم ، وأنّ إمام زماننا المعصوم مولود وموجود بشهادة المؤالف والمخالف ، وأنّ الاُمّة ـ إذاً ـ متّفقة على وجوده ، ومتّفقة ـ ضمناً ـ على عدم وجود غيره ، رغم إنكار الوضّاعين ومزيّفي التاريخ . . فجميع الفِرَق الإسلامية متّفقة ـ ثَمَّ ـ على أنّ مهديّاً يظهر في خر الزمان ، من وُلد فاطمة ، لم يخالف أحد إلاّ في تعيينه بذاته لا بصفاته .

فإن قال معترض : إنّ كلّ الأخبار صحيحة ، ولكنّها لماذا كانت دالّة على ابن العسكري دون غيره ممّن يولدون من نسل فاطمة؟ نُجِبْ بأنّ الصفات ـ مجموعة ـ لا تنطبق إلاّ عليه ، ولا تتوفّر إلاّ فيه ، للنصوص المتواترة التي ميّزته عن سائر من خُلِق ومن يُخلَق في المستقبل من نسل عبد المطّلب سلام الله عليه وبني فاطمة ، فضلاً عن تضييق الحلقة وحصره بنسل واحد بالذات كما رأيت . . وما زالت النصوص كلّها تنطبق عليه فلماذا نَصرفها عنه إلى غيره؟ ثمّ هل يحتمل أن تتوفّر في غيره مجتمعة؟ كلاّ ، فإنّ النبيّ(صلى الله عليه وآله) قد أشار إلى اسمه ، وذكر نسبه ، ونَعَتَه فلم يدع حيرةً في أمره تَصرفنا إلى التفكير في غيره .

وليس أغرب من أن نجد الدلالات متوفِّرة ، ونجد مَن دلّت عليه حاضراً ناظراً ، ثمّ نَعدل إلى التفتيش عن واحد يمكن أن تتوفّر فيه بعض الصفات لنقول : هذا هو! . ثمّ نقع في الخلاف فنقول : وُلِد أم لم يولَد؟ فالقائم أُخفيت ولادته عن بعض عامّة الناس لا خاصّتهم حتّى قالوا : لم يولد بعد ، ذلك لكي يخرج وليس في عنقه بيعة لحاكم ضالّ.

وقد كتب هو عن نفسه في جملة كتاب طويل إلى أحمد بن إسحاق(رضي الله عنه) :)

ـ  . . . ثمّ بعث الله محمّداً(صلى الله عليه وآله) رحمةً للعالمين ، وتمَّم به نعمته ، وختم به أنبياءه ، وأرسله إلى الناس كافّة ، وأظهر من صدقه ما أظهر ، وبيَّن من آياته وعلاماته ما بيَّن . . ثمّ قبضه حميداً نقيّاً سعيداً ، وجعل الأمر من بعد إلى أخيه وابن عمّه ووصيّه ووارثه عليّ بن أبي طالب(عليه السلام) ثمّ إلى الأوصياء من وُلده واحداً واحداً ، أحيى بهم دينه ، وأتمَّ بهم نوره ، وجعل بينهم وبين إخوانهم وبني عمّهم الأدنَين من ذوي أرحامهم فرقاناً بَيّناً يُعرف به الحجّة من المحجوج والإمام من المعلوم ، بأن عصمهم من الذنوب ، وبرّأهم من العيوب ، وطهّرهم من الدنس ، ونزَّههم من اللَّبس ، وجعلهم خُزّان علمه ومستودع حكمته وموضع سرِّه ، وأيّدهم بالدلائل . ولولا ذلك لكان الناس على سَواء ، ولادّعى أمر الله عزّوجلّ كلّ واحد ، ولما عُرف الحقّ من الباطل ، ولا العالم من الجاهل . حفظ الله الحقَّ على أهله وأقرّه في مستقرِّه . . وإذا أُذِنَ لنا في القول ظهر الحقُّ واضمحلَّ الباطلُ وانحسرَ عنكم . وإلى الله أرغبُ في الكفاية وجميل الصُّنع والولاية .

(وبهذا كفاية في الجواب ، فقد عُرف كلّ حجّة منهم من المحجوج من غيرهم ، وكان مؤيّداً بالدلائل . . وهو ـ أعني القائم ـ منهم . وسيكون حجّة قاصمة لكلّ من يدّعي أمر الله! . .

بهذا علّل الجواب لكلّ ذي بصيرة . .

وقد وُلِد فعلاً ، وكانت سنُّه يوم وفاة أبيه خمس سنوات وأشهراً ، فسلّمه أبوه مواريث النبوّة والسلاح . . . وكانت له هذه الغيبة التي يمحّص الله بها المؤمنين ، ثبتت بقول من شاهدَه وحادثَه وعاملَه . وكان من غريب تصرّف عمّه جعفر الكذّاب أن قسّم ميراثه وهو حيّ ، مع علمه بوجوده ، وذلك من أجل الدعوة إلى نفسه ، تلك الدعوة المزوّرة التي باءت بالفشل الذريع والحمد لله كما سترى ، لأنّه كان كذّاباً موارباً يسعى بقتله لدى السلطان بعد أن علم بولادته ، ويسعى لنفسه بالإمامة لدى الناس والسلطان لما رأى كتمان مولده كأنّه يريد اللعب على الحبلَين . .

فالقائم هو ابن العسكري(عليهما السلام) واُمّه العظيمة هي سيِّدة الإماء ، اُمُّ ولد ستعرف شيئاً هامّاً عن أصلها الشامخ وأرومتها الأصيلة الفذّة .

وقد كانت ذرّية أبيه منحصرة فيه ، لم يخلِّف غيره فبالغ في ستره عن أعين الظالمين المتربّصين به ، خوفاً عليه من القتل الذي كانوا يُضمرونه له ، وإن كانت مشيئة الله تحول دون ذلك كما سبق في علمه . ولكن والده حجبه كما هو مأمور ، لأنّ الظالمين كانوا يومئذ غير متردّدين في مولده كتردُّدنا البغيض الممقوت ، بل كانوا على موعد مع ولادته ، ينتظرونها ويعتقدون حدوثها ، ويبذلون قصارى جهدهم للقبض عليه كما حصل وجرى ، أي للقبض على مولود موجود ما شكُّوا في وجوده ـ كما شككنا ـ ولكنّهم لم يصلوا إليه بتقدير من الله العزيز الحكيم لأنّهم كانوا :((يُرِيدُونَ أَنْ يُطْفِئُوا نُورَ اللهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) .

هذا هو الحجّة المنتظر ، والقائم المنصور .

فهل تحدّدت هويّته في الذهن؟

هذا هو . . وألقابه المعروفة من الأخبار القدسية : حجّة الله ، والمهديّ ، وخاتم الأئمّة ، ومنقذُ الاُمّة ، والمنتظَر ، والباعث ، والوارث ، والخلَف الصالح ، والقائم بالحقّ ، والمظْهِر للدين ، والباسط للعدل ، وبقيّة الله في الأرض ، وصاحب الزمان ، وصاحب السيف ، والمنتظر لدولة الإيمان .

ولا ، ولن يشاركه في هذه الألقاب أحد ، وهو مصداقها مفردةً ومجتمعة ليس إلاّ .

وكُناه : أبو القاسم ، وأبو عبدالله ، وأبو جعفر ، وذو الاسمين ، وخلَفُ محمّد . . معه راية الحقّ ، من تَبِعَها لَحِق ـ كما قال آباؤه ـ ومن تخلّف عنها غرق . . وهو ثاني عشر الأئمّة من أهل البيت(عليهم السلام) وعَدنا به النبيّ(صلى الله عليه وآله) ونعتَه ووصفه فلا مجال لإنكاره إلاّ إذا أنكرنا الوحي بِرُمّته . وقد قال النبيّ(صلى الله عليه وآله) فيه :

ـ سيُميت الله به كلّ بدعة ، ويمحو كلّ ضلالة ، ويُحيي كلّ سُنَّة .

وهو أيضاً : المنصور ، والصاحب ، والحجّة ، والخالص ، وصاحب الدار ، وصاحب الأمر ، والمأمول ، والتالي ، والنائب ، والبرهان ، والباسط ، والثائر ، والمنتقم ، والمؤيَّد ، والسيِّد ، والجابر ، والخازن . .

وقد أطلق عليه النبيّ(صلى الله عليه وآله) والأئمّة من بعده اسم : أمير الأمَرَة ، وقاتِل الفَجَرة ، وأنّه سيِّد في الدُّنيا والآخرة .

وقد سُئِل الصادق(عليه السلام) : نسلّم على القائم بإمرة المؤمنين؟ فقال : لا ، ذاك اسمٌ سمّاه الله أمير المؤمنين (عليّاً) لا يسمّى به أحد قبله ولا بعده إلاّ كافر! . قيل : كيف نسلِّم عليه؟ قال : السلام عليك يا بقيّة الله ، ثمّ قرأ : ((بَقِيَّةُ اللهِ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ مُؤْمِنِينَ) .

 . . هذا هو بقيّة الله . . فهل يحتاج إنسان إلى أكثر من هذه الإيضاحات ليعرفه؟! لا ، وكلاّ .

لماذا غاب وما الحكمة من غيابه

(جاء في بعض أجوبة الأئمّة(عليهم السلام)) :

ـ ما كلُّ ما يُعْلَم يقال ، ولا كلّ ما يقال حانَ وقتُه ، ولا كلُّ ما حان وقتُه حضر أهلُه! .

(فأرجو لي ولقارئي أن نكون ممّن إذا سمع القليل وَعَى الكثير . . .) .

***
قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :

ـ لابدَّ للغلام من غيبة ، يخاف فيها القتل! . (وقال(صلى الله عليه وآله) :)

ـ إنّما مَثَلُ قائمنا ـ أهل البيت ـ كمَثَل الساعة لا يُجلِّيها لوقتها إلاّ هو ، ثَقُلَتْ في السماوات . . لا يأتيكم إلاّ بَغْتَةً! . . (ورُوي مثله عن الرضا(عليه السلام) . . وقال :)

ـ إنّما مَثلُ أهل بيتي في هذه الاُمّة ، كَمَثَل نجوم السماء ، كلّما غاب نجم طلع نجم . حتى إذا مددتم إليه حواجبكم ، وأشرتم إليه بالأصابع ، جاء ملك الموت فذهب به! . ثمّ بقيتم سَبْتاً ـ أي وقتاً طويلاً ـ من دهركم لا تدرون أيّاً من أيٍّ . . فبينما أنتم كذلك إذا أطلع الله نجمكم ، فاحمدوه ، واقبلوه . (ولا يخفى أنّ مدَّ الحواجب والإشارة بالأصابع يَعنيان الدلالة على الإمام والالتفاف من حوله ، الأمر الذي كان يُثير أضغان الأعداء فيكيدون له ويحتالون لقتله . . وقد جاء عن الصادق(عليه السلام)بهذا المعنى قوله :)

ـ إيّاكم والتنويه! . أما والله لَيَغيبنَّ إمامكم شيئاً ـ سبتاً ـ من دهركم! . ولتمحَّصُنَّ حتّى يقال : مات أو هلك ، بأيّ واد سلك؟ ولتدمعنَّ عليه عيون المؤمنين! ولتُكْفَأُنَّ كما تُكفأ السفن في أمواج البحر ، فلا ينجو إلاّ من أخذ الله ميثاقه وكتب في قلبه الإيمان وأيّده بروح منه . .

***
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) :

ـ إنّ أمرنا صعبٌ مستصعب ، لا يحتمله إلاّ مَلَكٌ مقرّب ، أو نبيٌّ مرسَل ، أو عبدٌ امتحن الله قلبه للإيمان! . ولا يعي حديثنا إلاّ حصون حصينةٌ ، أو صدورٌ أمينة ، أو أحلام رزينة . . (وورد عن الصادق(عليه السلام) قريبٌ منه سبق في المقدّمة . . . ثمّ قال(عليه السلام) :)

ـ إنّ القائم منّا إذا قام ، لم يكن لأحد في عنقه بيعة . فلذلك تخفى ولادته ، ويغيب شخصه . . (والبيعة في لغة الأئمّة(عليهم السلام)تعني إعطاء عهد يطوّق العنق ، وتقضي بعدم محاربة الظالم في حال لزومها ، بقضاء سبق من الله تعالى كما جرى لآباء القائم(عليهم السلام)بعد الحسين الشهيد سلام الله عليه .

أمّا القائم فهو ـ على العكس ـ مخلوق ومرصود لإبادة الظلم والظالمين ، ويُعتبر سكوته ـ حال وجوده ظاهراً للناس ومع الناس ـ إقراراً للظالمين على ظُلمهم . . ويُعتبر قعوده عن الجهاد رضىً ببقاء الظلم ، في حين أنّه مُعَدٌّ من الله لقمع الظلم وإبادة الفساد . . فاقتضت مشيئة الله تغييبه لاُمور يعلمه الله ، والله بالغ أمره على كلّ حال . .) .

***
قال الإمام الحسن(عليه السلام) :

ـ أما علمتم أنّ الخضر لمّا خرق السفينة وقتل الغلام ، وأقام الجدار ، كان ذلك سُخْطاً لموسى بن عمران(عليه السلام) إذ خفيَ عليه وجه الحكمة منه ، وكان ذلك عند الله حكمةً وصواباً؟! . أمَا إنّه ما منّا أحدٌ إلاّ ويقع في عنقه بيعة لطاغية زمانه إلاّ القائم . .

ثمّ قال(عليه السلام) :

ـ إنَّ الله عزّوجلّ يُخفي ولادته ، ويُغيِّب شخصه ، لئلاّ يكون لأحد في عنقه بيعة خرج .

***
قال الإمام زين العابدين(عليه السلام) :

ـ القائم منّا يخفي على الناس ولادته حتّى يقولوا : لم يولد بعد ، ليخرج حين يخرج وليس لأحد في عنقه بيعة . (وورد عن الصادق(عليه السلام)بلفظ :)

ـ يقوم القائم وليس لأحد في عُنقه عهدٌ ولا عَقدٌ ولا بيعة . (ثمّ قال السجّاد(عليه السلام) :)

ـ والله لا يخرج واحدٌ منّا ـ قبل خروج القائم(عليه السلام) ـ إلاّ كان مثلُه مثلَ فَرْخ طار من وَكره قبل أن يستوي جناحاه ، فأخذه الصبيان فعبثوا به! . (وورد مثله عن الباقر(عليه السلام) . .

***
قال الإمام الباقر(عليه السلام) :

ـ إذا غضب الله تبارك وتعالى على خلقه ، نحّانا عن جوارهم . .

وقال : هي والله السُّنن القُذّةُ بالقُذّة ، ومشكاةٌ بمشكاة ، ولابدّ أن يكون فيكم ما كان في الذين من قبلكم ، ولو كنتم على أمر واحد كنتم على غير سنّة الذين من قبلكم . ولو أنّ العلماء ـ أي الأئمّة ـ وَجَدوا من يحدِّثونه ويكتم سرَّهم لحَدَّثوا ولَبَثّوا الحكمة . ولكن قد ابتلاكم الله عزّوجلّ بالإذاعة . وأنتم قوم تحبّوننا بقلوبكم ، ويخالفُ ذلك فعلكم . والله ما يستوي اختلاف أصحابنا ، ولهذا أُسِر صاحبكم ـ أي غاب وحيلَ بينكم وبينه ـ ليقال : مُختلفين . ما لكم لا تملكون أنفسكم وتصبرون حتّى يجيء أمر الله تبارك وتعالى وقضاؤه؟ والصبر! إنّما يَعجلُ من يخافُ الفوت! . (وقد رُوي هذا عن الإمام الصادق(عليه السلام) وزاد في آخره :)

ـ لا تَعجلوا ، فوالله لقد قرُب هذا الأمر فأذعتموه ، فأخَّره الله . . . وسأله صاحبه أبو الجارود عن صاحب هذا الأمر فقال(عليه السلام) :)

ـ يُمسي من أخْوَفِ الناس ، ويُصبح من آمَنِ الناس! . يوحَى إليه هذا الأمر ليلَه ونهارَه ، فقيل له : يوحَى إليه؟! فقال : إنّه ليس يوحَى إليه وَحْيَ نُبوّة ، ولكنّه يوحَى إليه كوحيه إلى أُمِّ مريم بنت عمران ، وإلى أُمِّ موسى ، وإلى النحل . . إنّ قائم آل محمّد لأكرم عند الله من مريم بنت عمران ، وأُمّ موسى والنحل! . (فقد ذكر القرآن الكريم هؤلاء في آيات مقدّسة استعمل فيها لفظة : أوحَى ، بمعنى الإلهام ، والنكتة في القلب . .) .

***
قال الإمام الصادق(عليه السلام) :

ـ إنّ لصاحب هذا الأمر غيبةً لابدَّ منها ، لأمر لم يؤذن لنا في كشفه لكم ، ووجهُ الحكمة في غيبته وجهُ الحكمة في غيبات مَن تقدَّمه من حجج لله تعالى ذِكره ، إنَّ وجه الحكمة لا ينكشف إلاّ بعد ظهوره ، كما لم ينكشف وجهُ الحكمة لِمَا أتاه الخضر من خرق السفينة وقتل الغلام وإقامة الجدار لموسى ، إلاّ وقت افتراقهما .

ومتى علِمنا أنّه عزّوجلّ حكيمٌ ، صدَّقنا بأنَّ أفعاله كلّها حكيمةٌ وإنْ كان وجهُها غير منكشف لنا . (وقال :)

ـ إنّ للقائم غيبة قبل أن يقوم . إنّه يخاف ـ وأومأ بيده إلى بطنه : يعني القتل . (ولولا الخوف من جهة ، وما كتمه الأئمّة عنّا من جهة ثانية ، لما ساغ له الغياب والله تعالى يُعصى في كلّ بقعة من بقاع الأرض ، ولكان ينبغي له أن يخرج ، وأن يتحمّل المشاقّ والأذى في سبيل إعادة الحقّ إلى نصابه ، فإنّ منازل الأنبياء والأوصياء لا تَعْظُم إلاّ بتحمّل المشاقّ في سبيل الله ، وغيابه الذي يعاني منه ما يعاني من الصعوبات ، وانتظاره الذي ابْتُليَ به منذ اثني عشر قرناً تقريباً ، يلاقي منه ما يلاقي من الصبر المرّ ، ومع ذلك يبقى في غيابه سِرٌّ قضت به مشيئة الله ، وحكمةٌ لا يعلمها إلاّ الله ورسوله وأهل بيته كما يظهر من الحديث السالف ، ولا يتسنّى لنا معرفةُ وجه الغياب أثناء الغيبة مهما أعملنا الفكر . ثمّ قال في مناسبة أُخرى :)

ـ إنّ فرعون لمّا وقف على زوال ملكه على يد مولود من بني إسرائيل ، أمَرَ أصحابه بشقّ بطون الحوامل من نساء بني إسرائيلو حتّى قتلَ في طلبه نيِّفاً وعشرين ألف مولود! . وتعذَّر عليه الوصول إلى قتل موسى بحفظ الله تبارك وتعالى . وكذلك بنو أُميّة وبنو العبّاس ، لمّا وقفوا على زوال مُلك الأمراء والجبابرة منهم على يدَي القائم منّا ، ناصبوا العداوة ووضعوا سيوفهم في قتل أهل بيت رسول الله وإبادة نسله ، طمعاً منهم بالوصول إلى قتل القائم! فأبى الله أن يكشف أمره لواحد من الظلمَة ، ((وَيَأْبَى اللهُ إِلاَّ أَنْ يُتِمَّ نُورَهُ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) . (ذاك أنّ أهل العهدين : الأمويّ والعبّاسيّ ، كانوا لا يشكُّون بأمر المهدي كأهل زماننا ، بل كانوا يعتقدون يقيناً بأنّه أمرٌ محتومٌ لا محيص عنه ، بل كانوا مستيقنين بأنّه سيظهر في زمانهم ، ولذلك دأبوا على تقتيل آبائه خوفاً ممّا وعد الله تعالى به من السطوة والقوّة التي تزيل مُلكهم . . وقد رُوي في الجزء الأخير من هذا الحديث عن الإمام العسكري(عليه السلام) بلفظه . . ثمّ قال الصادق(عليه السلام) :)

ـ وكذلك النمرود ، فإنّه لمّا علِمَ أنّ زوال مُلكه يكون على يد النبيّ إبراهيم(عليه السلام)وكَّلَ نساء قومه بالحبالى من الناس ، وعزل الرجال عن النساء حتّى يَقْتُلَ كلّ مولود ذكر في تلك السنة . . (وقال(عليه السلام) :)

ـ إنّ القائم تمتدّ غيبته ليصرّح الحقُّ عن محضه ، ويصفو الإيمان من الكدَر بارتداد من كانت طينتُه خبيثةً من الشيعة الذين يُخشى عليهم النفاق إذا أحسُّوا بالاستخلاف والتمكين والأمن المنتشر في عهد القائم(عليه السلام) . ثمّ تلا الآية : ((حَتَّى إِذَا اسْتَيْئَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا) .

(والرسل لا يستيئسون يقيناً ، ولا تجد صدورهم حَرَجاً ممّا قضى الله ، ولا يخامر نفوسهم شكّ في وقوع أمره ونفاذ مشيئته ، ولو كذَّب الناس بما وعدوهم به . ولكنّ الله تعالى عنى بذلك أتباع الرسل ، فحذف المضاف وأقام المضاف إليه مقامَه ، فنحن الأتباع الذين قد يستيئسون من ظهور القائم(عليه السلام) بعد هذه الغيبة الطويلة . ولذا بدت تباشير ارتداد مَن يُخشى عليهم النفاق في زماننا ، وصارت العقيدة لا تدخل إلى القلوب دون استئذان ودون طرح على مبضعة التشريح ، كما نرى عند بعض حَمَلة الهويّة الشيعيّة . . وجاء عن أمير المؤمنين(عليه السلام)قوله الذي يجزم فيه ويؤكِّد :)

ـ ليَغيبَنَّ عنهم حتّى يقول الجاهل : ما لِلّهِ في آلِ محمّد حاجة! . (وبعد ذكر هذا السبب ـ الذي هو التمييز والغربلة ـ ذكر الإمام الصادق(عليه السلام) قلّة النصير في الشكوى التي لَفَظَها أمامَ بعض أصحابه حين قال :)

ـ ولكنَّ من شيعتنا من لا يعدو صوتُه سمعَه ، ولا شَجَاؤه بَدَنه ، ولا يخاصم فينا والياً ، ولا يجالس لنا عائباً ، ولا يحدِّث لنا ثالباً ، ولا يُحبّ لنا مبغضاً ، ولا يُبْغِض لنا محبّاً . . (فالشيعي الحقّ الذي يتخلّق ببعض أخلاقهم ، يكظم غيظه ، ولا يُبدي الشكوى لغير الله ، وخصوصاً حين يحسُّ بالضعف ويرى قلَّة النصير . . فمن أين لهم بالنصير الذي يرتفع صوته بالحقّ ، ويُسمَعُ جهرُه به ، ويقف في ساح معركة الحقّ والباطل كي يُحيي أمر الله أو يموت دونه؟!!) .

***
قال الإمام الكاظم(عليه السلام) :

ـ له غيبة يطول أمدها ، خوفاً على نفسه من القتل ، يرتدّ فيها قوم ويثبت آخرون . (والخوف الذي تتحدّث عنه الأخبار القدسية هو غير ما يتبادر إلى الأذهان الساذجة من معاني الخوف الأوّلية ، بل هو ما يصدر عن صاحب وظيفة عُظمى ومسؤولية كبرى من الخوف من تعريض نفسه إلى القتل قبل أن يأذن له الله تعالى الذي منحه هذه الوظيفة بشرطها وشروطها ، فيكون كمن لم يمتثل أمر ربّه في واجبه المترتّب عليه كُلِّيةً ، وكمن يُلقي بنفسه إلى التهلكة ويخرج عن خطّة ربِّه التي قدّرها له بجميع ما يسبقها ويواكبها من تقديرات الله ، وكمن يستبق موعد القيام بواجبه المحتوم عليه ، فيصلّي الظُهرين وقت الضحى أو يُصلّي العشاءَين قبل الغروب ، أو يصوم شهر رمضان قبل حلول شهر رمضان ليستريح حين يصوم الناس! .

ذلك أنّ مسؤولية الإمام جسيمةٌ تُشبه مسؤولية الرسول الذي يصدع بأمر الله ، فلا يتخطّى قضاء الله تعالى ليُرضي بعض أشياعه أو يستجيب لرغبات بعض المعترضين عليه فيُشبعَ فضولَهم حين يتصوّرون سهولة الخروج على أنظمة الدُّنيا ـ الدُّنيا كلّها ـ فيقولون : ليَخرجْ وكلُّ مطالب بالعدل نصيرهُ ، ثمّ إذا ما خرج اختبأوا وراء أُنوفهم إن لم يكيدوا له!!!) .

***
قال الإمام الرضا(عليه السلام) :

ـ ذاك الرابع من وُلدي ، يُغيِّبه الله في ستره ما شاء الله . . (وكرّر المعنى الذي جاء عن آبائه(عليهم السلام))

ـ القائم لا يُرى جسمه ، ولا يُسمّى باسمه . (وقال(عليه السلام) يصف الحال . . . ويُجيب على السؤال :)

ـ كأنّي بالشيعة ، عند فَقدِهم الثالث من وُلدي ـ أي العسكري(عليه السلام)ـ يطلبون المرعَى فلا يجدونه ، لأنّ إمامهم يغيب عنهم ، لئلاّ يكون في عُنقِه لأحد بيعةً إذا قام بالسيف . (وورد عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قريبٌ منه بلفظ :)

ـ للقائم غيبةٌ أمدُها طويل! . كأنّي بالشيعة يجولون جَوَلانَ الغنَم يطلبون المرعَى فلا يجدونه! . ألا ومَن ثَبَتَ منهم على دينه لم يقسُ قلبُه لطول غيبة إمامه ، فهو معي في درجتي يوم القيامة . (فهنيئاً لمن ثَبَتَ على الحقّ ، واطمأنّ قلبه للحكمة من طول الغيبة ، دون أن يرتاب بقول النبيّ(صلى الله عليه وآله) وأهل بيته(عليهم السلام) ليفوز بما وعدَ به أبو الحسن(عليه السلام) من شرف جواره! . وقال الإمام الرضا(عليه السلام) مبرِّراً غيبته وعدم رؤيته ومعرفة مكانه :)

ـ جميعُ الأئمّة ـ بعد النبيّ ـ قُتِلُوا : منهم بالسيف : أمير المؤمنين والحسين . والباقون قُتِلوا بالسمّ . قَتَلَ كلّ واحد منهم طاغيةُ زمانه ، وجرى ذلك عليهم على الحقيقة والصحّة .

***
قال الإمام العسكري(عليه السلام)

ـ وضعَ بنو أميّة وبنو العبّاس سيوفهم علينا ، لأنّهم كانوا يعلمون أنّه ليس لهم في الخلافة حقّ ، فيخافون من أن تستقرّ في مركزها ، وسعوا في قتل أهل بيت رسول الله(صلى الله عليه وآله) وإبادة نسلِهِ طمعاً في الوصول إلى منع تَوَلُّدِ القائم(عليه السلام) أو قتله . فأبى الله أن يكشف أمره لواحد منهم ، إلاّ أن يُتمَّ نوره ولو كرِهَ المشركون . (وهذا ـ كما مرَّ ـ من أسباب إخفاء ولَدِه وسترِ أمرِه . فقد رأى السلطة الحاكمة تطلبه بشدّة ، وتجتهد في البحث عنه بعد أن شاعت عقيدة الشيعة الإمامية فيه ، وعُرف انتظارهم له ، ورأى السلطان مقتنعاً ـ كأسلافه ـ بأنّ القائم سيزلزل أركان دُول الباطل ويحطّم عروش الفساد . .

ولا عَجَب في ستره وإخفاء ولادته ، فقد سبقني من يقول : إنّ من الناس مَن يولد له ولد من غير زوجته فيستر ولادته عن زوجته خوفاً من لسانها ، أفلا تحمل عقولنا قبول ستر ولادة مَن هو مُهدّدٌ بالقتل من كلّ حاكم ظالم يولد في عهده ويعرف أنّه المولود الذي يَثُلُّ عرشه؟! .

هذا ، وقد كان الإمام العسكري(عليه السلام) قد بدأ يُعوِّد شيعته على غيبة إمامهم عن أبصارهم كما قلنا ، فبدأ ـ هو نفسه ـ بالاحتجاب عنهم ، وصار يُفتي أصحابه بالأحكام دون أن يتشرّفوا بمقابلته ، وصار يقبض الأموال بواسطة خَدمه ، ويُعطيهم الصِّلات والهِبات بالواسطة ودون مشاهدته ، يفعل ذلك كلّه عن قصد وتصميم ، تمهيداً لغيبة المهديّ(عليه السلام) ، فيكون أسلوبهما مع أوليائهما واحداً من ناحية الكيفيّة وإن طالت الغيبة وضرب الزمان في البُعد . .) .

***
قال الحجّة المنتظر(عليه السلام) :

(كتب في جملة رسالة وجّهها إلى سفيره محمّد بن عثمان رضوان الله عليه ، يأمر شيعته بعدم الخوض في ما لا يعنيهم :)

ـ  . . . وأمّا علّة ما وقع من الغيبة ، فإنّ الله عزّوجلّ يقول : ((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ . .) . إنّه لم يكن أحدٌ من آبائي إلاّ وقعت في عنقه بيعةٌ لطاغية زمانه . وإنّي أخرج حين أخرج ولا بيعةَ لأحد الطواغيت في عنقي . وأمّا وجه الانتفاع بي في غيبتي ، فكالانتفاع بالشمس إذا غيّبها عن الأبصار السحاب . وإنّي لأمانٌ لأهل الأرض كما أنّ النجوم أمان لأهل السماء .

فأغلِقوا باب السؤال عمّا لا يعنيكم ، ولا تتكلّفوا ما قد كُفيتم ، وأكثروا من الدعاء بتعجيل الفرج ، فإنّ في ذلك فرَجكم ، والسلام على من اتّبع الهدى .

(وتشبيه غيابه عنّا بالشمس إذا حجبتها الغيوم عن الأبصار ، يحمل معنىً دقيقاً لبيان فائدته التي نحصل عليها في حالة كونه غائباً . فللشمس فائدة أيّة فائدة ، حتّى إذا سترتها الغيوم ، لأنّ سائر الكائنات الحيّة تتأثّر بها وتفتقر إلى حرارتها التي تنفذ إلى الأرض وما عليها مهما طالت تغطيتها بالغيوم . . فلولا حرارة الشمس النفّاذة لانقلبت نواميس الحياة ولظهرَ في الكائنات الحيّة تطوّرات عكسية تذهب بحياتها أو تشوِّه خَلْقَها . وكذلك الإمام ، الغائب عن أبصارنا ، الموجود في مجتمعنا ، المستغفرُ للمخطئين منّا ، الداعي بدفع البلاء عنّا ورفع الكوارث ، والمستجابُ الدعاء في كلّ حال ، فإنّه تصلنا الفائدة من وجوده فنَنعَم بالخير ، وتشملنا رحمةُ الله تعالى ويُصيبنا العفو ببركات وجوده بهذا المعنى .

ثمّ نستفيد من ذلك الوجود ، المحجوب عن أبصارنا ، بمعنىً آخر ، هو المحافظة على أوامره ونواهيه التي هي أوامر الله ونواهيه ، ونبقى حَذِرين من الانحراف عنها مخافة أن نَحيد عن خطِّه الذي هو صراط الله المستقيمو الذي أراد ربّ العالمين أن لا نحيد عنه ليوفِّينا أجر المؤمنين بالغيب العاملين المطيعين .

وهكذا يبقى المعترفون بوجوده ، المستمسكون بعُرى ولايته ، يأتمرون فيما بينهم بالمعروف ، ويتناهون عن المنكر ، ويتواصون بالحقّ ويتواصون بالصبر ، متيقِّظين لأُمور دينهم لأنّهم محاسبون من لَدُنْه على التقصير ، فهو يعرف حالهم وما هم عليه ، وهم مطالبون بمعصية إمام زمانهم ، تماماً كما نرى العصبة السياسية أو العقائدية تترابط فيما بينها ولا تخرج على النظام الذي اسْتَنَّتْهُ لنفسها بحضور أيّ مسؤول منها أو بغيابه ، وفي حال قُربه أو بُعدِه . . وجاء عنه(عليه السلام) في جواب لأحد سفرائه :)

ـ إن دَلَلْتَهُم على الاسم أذاعوه ، وإن عَرَفوا المكان دَلُّوا عليه . .

(وكان قد كتب إلى سفيره الجليل : الحسين بن روح رضوان الله عليه في جملة كتاب كريم يبيِّن فيه بعض أسباب الغيبة :)

ـ مَنْ بحثَ فقد طُلب ، ومن طُلب فقد دَلَّ ، ومن دَلَّ فقد أشاط (أي هدر الدم) .

فممّا لا شكّ فيه أنّ كلّ سلطة تسهر على سلامة حالها ، تطلب مَن يبحث عن المهديّ ويتّصل به ويعرف مكانه فيجتمع إليه ، وقد تعذِّبه

عذاباً يضطرّ معه إلى أن يدلّ على مكان مَن هو مهيّأٌ لتقويض عرشها . وإذا دلَّ عليه كان من المشركين لأنّه يصير من المشتركين في قتل وصيٍّ من الأوصياء بما مهَّدَ من قتله . .

***
ما الحكمة من غيابه؟

من المؤكَّد أنّه لم يستتر شخصه عن أبصار معاصريه إلاّ بتقدير من الله العزيز . . والله عزّ اسمه ، لا ولن يستشير أحداً من خلقه فيمايفعله ، لأنّه حكيم ((لاَ يُسْئَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) . . فلأمر ما ، لا تدركه عقولنا ببداهة ، كانت الغيبة ، وكانت عن إرادة حكيم لا شكّ أنّ في تقديره حكمةً لا تنالها الأفهام القاصرة ، ولا تتناول سرّها الأذهان المحدودة ضمن هذه الجمجمة العظميّة الصُّلبة ، وسينكشف سرُّها يوم الظهور المبارك ، فنقول للؤمن :

تَعَبَّدْ بها أصلاً من أُصول عقيدتك ، كالمسح على الرأس والقَدَمين حين الوضوء ، فلا هو غسلٌ فنظافة ، ولا هو واضحُ السبب كبقيّة الأجزاء . . فارْضَ بما في يديك من البراهين المأثورة عن طرق السماء التي أنزلت العقيدة بأصولها وجزئيّاتها كما هي ودون مشاركة الله في علمه . . ونقول للذي يعتمد الفكر ، ويريد أن يحلّل أسباب الغيبة زيادة عمّا سبق وعمّا يلحق :

فلسِفْها برأيك . . كيف شاء فهمُك وإدراكك ، وبالشكل الذي تطمئن إليه نفسك ، ويركن إليه عقلك ويتيسّر به اقتناعك . .

ولكن إيّاك وتعجُّل الأمر والبتّ . . وإيّاك وإنكارها والقطع قبل أن تنظر في سير السابقين والغابرين! فإنّ فيما مضى دروساً جدّ مفيدة في تحقيق ما يقع حتّى لكأنَّ الذي يضرب صفحاً عن الماضي ويُنكره ويتنكَّر إليه ، يُعمِل فكره في المجهول ، ويتخبّط في سُراه كما تتخبّط الناقة العشواء في الليلة الظلماء . . فَقِسْ يومك على البارحة . . واعرض خطة سيرك على محكِّ الفكر المستنير الذي يستفيد من سِيَرِ الماضين ، وخذ درساً عن غيرك مستفيداً ممّن تورّط فهلَك ، وممّن أحكَمَ فنجح ، وزد على ذلك من مبتدعات ذهنك الخلاّق ما شاءت لك عبقريتك الفذّة . . . ثمّ نقول لمن يطلب المثَل :

أَوَلَمْ يستتر نبيّنا محمّد(صلى الله عليه وآله) في شِعب أبي طالب ثلاث سنوات يخاف على نفسه مَرَدَة قريش وجبابرتها ، يحميه عمّه أبو طالب ، شيخ الأبطح وسيِّد الهاشميّين(عليه السلام)؟! .

أوَلَم يستتر قبلها في غار حِراء ، محافظةً على نفسه ورسالته ، وهرباً ممّن كان يؤذيه في عبادته ، ويقف في سبيل دعوته وقوف وقاحة وصلَف ، حين قلّة المؤمنين بدعوته وفقدان الأنصار؟! .

ثمّ لماذا استتر إدريس(عليه السلام) عشرين سنة خوفاً من أُمّته الضالّة التي رفضت دعوة الحقّ وناصبت رسول الله إليها العداء؟! . .

ولماذا قال موسى (عليه السلام) لقومه : ((فَفَرَرْتُ مِنْكُمْ لَمَّا خِفْتُكُمْ فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً وَجَعَلَنِي مِنْ الْمُرْسَلِينَ) ، لإحقاق الحقّ وإبطال الباطل حين سنحت لي الفرصة؟! .

فالجواب ـ مبدئيّاً ـ هو علّة الغيبة طالت أم قصُرت ، أي الخوف بعناه الذي ذكرناه آنفاً ، لا خوف واحد عاديّ من القتل ، بل خوف المهدي(عليه السلام) الذي صطفاه الله حجّةً على كلّ ظالم يعرف الحقّ ويحيد عنه ويحكم بغيره ، ويعرف الظلم ويفعله ، والذي ادَّخره ربّه ليمحق الظلم ، ويقيم العدل حين تتمّ الموازين التي قدَّرها ربّه لظهوره ، وحين تقتضي الحكمة تأديب الطواغيت من الخلق الذين لا يعملون بحقٍّ ولا يمتنعون عن باطل! .

لهذا صدع النبيّ(صلى الله عليه وآله) بذكر صفاته وعلاماته ، منوِّهاً إلى أنّ الله تعالى قد أخفى يوم ظهوره ، ليؤمن مَن آمن عن بيِّنة يُمْتَحنُ بالتصديق بها ، ويهلك من هلك عن بيِّنة كانت عنده غير كافية للتصديق ، لأنّه هو ذاته ، وعلاماته وصفاته ، قد بلغتْ سمعَ الناس ، سائر الناس ، من حاكمين ومحكومين . . فمن يحمل نفسه على الإيمان بأمر الله وقول رسوله ويصدِّق بوجود إمام غائب منتَظر يكنْ له أجر المؤمنين بالغيب ، ومن كفر فإنّ الله غنيٌّ عن العالمين اليوم ، كما كان غنيّاً عمّن سبقنا من الأُمم التي ذاقت من العذاب ألواناً وألواناً بالأمس القريب أو البعيد في أغوار التاريخ . .

هذا ، والأمّة الإسلامية لا تعدو بشأنه خُطى الأمم السابقة ـ كما قال رسول الله(صلى الله عليه وآله)ـ إذ كلُّ نبيّ قد توارى عن قومه لمّا اقتضت مصلحة دعوته ذلك : من إبراهيم إلى إدريس فصالح فيوسف فموسى ، فعيسى فمحمّد صلوات الله عليهم . . أفلا يصحّ ذلك في بقيّة الله في أرضه ، وحجّته على عباده ، وحامل مواريث أنبيائه ، والمخلوق الوحيد الذي يحمل ريح السماء وروح الفرج للإنسانية؟!! أجل . . فالتاريخ الذي بين أيدينا يُنْبئنا أنّ كلّ إمام عايش عهود الظَّلمَة الذين ابتزُّوا حقّه ، كان لا يخرج من حبس إلاّ ليتلقّى أوامر حَجْر أو نفي ، أو لتنتاشه شَباةُ سيف ، أو

لِيُسقى سمّاً قتّالاً!!!

ومن منّا لا يعرف أنّ الإمام الكاظم(عليه السلام) مثلاً كانت تجتمع إليه ثقات شيعته في السجن؟! . وكان يُفتيهم في حلال الله وحرامه والقيد في رجليه ، والغِلُّ في يديه؟ ومع ذلك كانت تُجبى إليه الأموال ، وكانت عطاياه السخيّة للمؤمِّلين تفوق عطايا الملوك . . ومَن مِن الناس لم يسمع بصُرر الكاظم من الذهب والفضّة التي كان يُعِدُّها للعطايا؟! .

ونُلفت النظر إلى أنّ الفُتيا كانت ميسورةً في أشدّ أزمنة الضيق على الأئمّة ، لأنّ السلطة كانت تضيّق عليهم لتدفعهم عن مراتبهم ولتدفع الخطر عن مُلكها ، ثمّ تترك متنفّساً لشيعتهم وتغضُّ الطرف عن الاجتماع إليهم والاستماع منهم ، لتمتصَّ ما عند شيعتهم من النقمة والسخط . . ولكنَّ حال القائم(عليه السلام) تختلف عن حال آبائه بسبب أنّه الثاني عشر المرصود لمعاملة الظالمين بلا هوادة وبلا مهادنة وبلا حَلٍّ وسط . . فقد كان آبباؤه لا يزالون ماضين في تأثيل العقيدة ، وشرح القرآن وتبيانه ، وإقامة السنّة . أمّا هو فيأتي بسيف مخلوق لإحياء ما اندرس من ذلك ، والحاكمون له بالمرصاد منذ ولادته وفي كلّ حين ، إذ لو قد خرج لانتظروا قلب الأنظمة المستبدّة ، ولما كان الحاكم الذي يعرفه أرحم به من أيّ واحد من الرعايا يحاول نسف الدولة وزعزعة السلطان . .

فمنذ البدء : كانت محاصرة الشرطة لدار أبيه أثناء الحَمَل به ، ومراقبة نساء أبيه من القوابل ، وبثُّ الأرصاد والعيون حوله من عسكر أعدائه ، كانت كلّها سيوفاً مُصلتةً لاغتياله قبل أن يُبصر النور ، حتّى أنّهم حين فشلوا في الكشف عنه قبضوا على نساء أبيه وجواريه وحبسوهنّ أكثر من سنة بأمل أن تضع من كانت منهنَّ حُبلى كما رأيت ، بل ذهبوا في الغيِّ واتّبعوا فتوى فقيه سوء فحبسوا إحداهنّ سنتين كاملتين : بِوَهم أنّ أُمّ القائم المنتظر لادّ أن يكون حملها على غير المعتاد!!! فتأمّل .

وقيل في سبب ذلك : إنّ أُمّه لمّا سُئلت عن المولود أنكرته وادّعت حملاً بها لتُغطِّي على حال الصبيّ فأودعت في غياهب السجن! . ولولا أنّ الله تعالى شغلَ المسؤولين في ذلك العهد بثورة البصرة وصاحب الزنج ، لمّا أفلتت من أيديهم بعد ادّعائها الحمل المُتوهّم . .

فما هو مقدَّر له(عليه السلام) لم يكن ليجري على آبائه . فلم يكن من واجبهم المفروض من السماء أن يزيلوا دولةً ولا أن يحاربوا ظالماً . فإنّ تكليفهم بعد وقعة كربلاء المشجية المؤلمة التي أنذرت باندراس الدين وانحراف أُولي الأمر في المسلمين نحو الهرقليّة الجائرة ، إنّ تكليفهم صار منحصراً بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، في إطار إعادة إتمام نشر الرسالة ، وإيضاح السنّة النبويّة ، وشرح الكتاب الكريم . . . ومع ذلك لم يُغْضِ عنهم الحكّام!!! فكيف إذا ظهر للناس وهو معروف بما هو فيه ، وعليه ، وله؟؟؟

فلا سبيل له إلاّ أن يتوارى كما شاء له الله ، وأن يُعِدّ العُدّة ويتحيّن الفرصة والإذن بالخروج ، ليخرج بسيف عدل يهدم ما بناه الظلم . .

والمؤاخذة في غيابه لا تقع كلّيةً إلاّ على من يَحول بينه وبين أداء رسالة عدل مثاليٍّ تشمل الإنسانية وتملأ الأرض قسطاً . . وسنرى حين ينادى باسمه بمختلف وسائل الإعلام ـ بدءاً بصوت جبرائيل(عليه السلام) وانتهاءً بأصوات المحطّات الإذاعية ـ سنرى كيف يحترق ذَنَبُ الظالمين ، وكيف يتهيّأون لقتاله ، وكيف يحاولون إطفاء نور الله ، بمعاقبة كلّ من يذكره أو يُدير لسانه باسمه! .

***
ولقائل أن يقول : إذا كان يغيب خوفاً على نفسه ، وكان الله عزّوجلّ سيُظهره بقوّة منه ، ويؤمِّنه على نفسه حين ظهوره ، ويُقَيِّض له أنصاره ومؤيّديه ، فلماذا أخَّر الله ذلك وجعل الغيبة بهذا الطول؟! .

والجواب على ذلك مكرّراً في أقوال النبيّ والأئمّة(عليهم السلام) حين بيِّنوا أنّ غيبته محنة يكون فيها تمحيص المؤمنين ، وغربلة المكذِّبين به على مرّ العصور . .

ثمّ لقائل أن يقول : لِمَ لا يخرج ويَحول الله تعالى ـ نفسه ـ بينه وبين من يريدون قتله ما زال في عين الله وكَنَفَه؟! . وما زال مسلّحاً بعناية الله فإنّ الأمور تستقيم له بالقوّة ، ويصير الناس على خيرِ ممّا هم عليه الآن . . . ومعنى ذلك بطلان حجّته ، لأنّ خروجه هكذا يتنافى مع تكليفنا وتكليفه ، إذ تُصبح المسألة مسألة إله يُواقع الناس في ساحة حرب ليكونوا مؤمنين رغم أُنوفهم . . وبين المخلوقات التي غَبَرَت ، والتي ما تزال بيننا ، كثيرون من الأشرار الذين هم في دار امتحان ، فمن آمن منهم بأوامر الله ونواهيه نجا ، ومن داوم على سيرته هلك . . ثمّ هل نجد له أنصاراً صالحين بيننا اليوم؟! . أم ترى أن نُرجع سيرة اليهود مع موسى(عليه السلام) حين قالوا له : ((إذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ، وتصبح القضية قضية سماء مئةً بالمئة ، لا دَخْلَ فيها للإنسان المكلّف بأن يختار لنفسه صفَّ الأخيار أو صفَّ الأشرار!!!

وَيْ وَيْ ، أيّها الإنسان! . ألا نعلم أنّ الله أقدر على إبادة الظالمين من الإمام؟ فلماذا أمهلهم وترك لهم سُبُل اختيار مصائرهم في دار الدُّنيا ، حتّى يُخرج لهم إماماً منقِذاً ، وهو أقدر على هدايتهم أو على البطش بهم!! . ذلك أنّ الله جلّ وعلا ، لا يعاجِل بالعقوبة ، ولا يقال له : لِمَ؟

وكيف؟ ومتى؟ فهو يُمهِل العباد رأفةً بهم ، ويبعث إليهم من يهديهم وينذرهم ، ويستنفد معهم جميع الوسائل التي تُصلح شأنهم لا يفعل إلاّ ما فيه الرحمة واللُّطف . فلا ينبغي أن تُطرح عليه الحلول . فأمرُه بغيبة الإمام ، كأمرِه بظهوره . وكلُّ أمر منهما واحدٌ من جملة ألطافه بالناس . . والناس ـ على كلّ حال ـ في قبضته ، لا يخرجون عن سلطانه ، ولا يهربون من فوق أرضه ولا من تحت سمائه ، ((فَمَهِّلْ الْكَافِرِينَ أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً) .

وقد يقول قائل بالأخير : لِمَ لم يبقَ ظاهراً ، ويعتزل الحكم الدنيوي كآبائه ، ويأمر بالقسط والعدل ، ويُصلح ما شاءت له ظروف الإصلاح في ظِلّ تأييد الله وتسديده ، إلى أن يسير بالإنسانية إلى طريق الهدى ولو في مدى ألف عام؟! .

ونقول لهذا : هكذا كان شأن آبائه جميعاً ، ولم يَمُت واحدٌ منهم إلاّ بالقتل أو السمّ ، ولم يستكمل واحدٌ منهم عمرهُ طبيعيّاً مع سلامة بُنياتهم وصفاء طينة أجسادهم الشريفة ، وقد سبق في علم الله تعالى أنّه لابدّ من خروجه بالسيف بعد أن يستحكم الظلم في أدمغة أهل العناد وقد رصده الله تعالى لأمره هذا . فتكليفه غير تكليف آبائه الذين أمروا بالقسط فماتوا بالقتل والسمّ لأنّهم أمروا به!!!

أمّا لماذا كان موجوداً ولا يسعى للحكم وردِّ الإنسانية عن عَمَهِها ، فهو إشكالٌ جرى بحقّ آبائه أيضاً . فإنّهم كانوا ظاهرين ولم يحكموا ولا سَعَوا للحكم الدنيويّ ، حتّى أنّ ولاية العهد للإمام الرضا(عليه السلام) قد قَبِلَها من المأمون بعد أن تهدّده بالقتل إن هو رفضها ، وأظهر للناس خلاف ما يُبطن ، بدليل أنّه أرضى عواطف الشيعة حين نَصَّبه وليّ عهد ، ثمّ أمره بالخروج إلى مرو في خراسان . . ثمّ لَحِقَ به إلى هناك . . . فدسَّ له السمّ في العنب وقفل راجعاً يبكيه!!!

فقد أزاحت آباءه الأغراض السياسية عن مراتبهم التي رتّبهم الله فيها ، فسكتوا ولم يحاربوا حرصاً على إكمال بيان السنّة وترسيخ العقيدة . اللّهمّ إلاّ ما كان من حُكم أمير المؤمنين(عليه السلام) في الكوفة . ذلك الحكم القصير المدّة ، الذي حارب فيه الناكثين والقاسطين والمارقين! . والناس ـ أبداً ـ ناكثون أو قاسطون أو مارقون أمسِ ، واليوم وفي كلّ زمان ، فلابدّ من حرب مجتاحة تأتي على الأخضر واليابس من العصبيات . . في آخر الزمان .

ويقول القائلون : لِمَ لا يظهر لأوليائه المأونين على معرفته فقط؟! والجواب قد مرَّ . لأنّه لو كان لَبَانَ ، وصار بحكم الظاهر ، فيُعْرَف مكانه ، ويُقضى بشأنه ما هو مقضيٌّ . . .

فغيابه تأديبٌ لأهل زمانه . . .

وهو إعلان صارخٌ بأنّهم ليسوا في وضع يصلح لأن يكونوا من الأُمناء ، فضلاً عن كونهم غير صالحين لِنُصرته . .

وغيابُه ـ بالتالي وكما قلنا ـ اتحانٌ يسأل عنه المُوالي كمُطالَب بعقيدته ليمحِّصَ الله المؤمنين الصابرين ويميّزهم عن غيرهم ، ويُسأل عنه المـُخالِفُ كمنكِر له ، أو كمتربّص به ، يقتله لو تسنّى له أن يظفر به .

فانتظار الوقت الناسب لا مفرّ منه ولو تعطّل كثير من الأحكام الشرعية ما زال الأمر امتحاناً ، ذلك لتتهيّأ النفوس لقبول قول مصلح يحكم الدُّنيا بالعدل بعد تجرّع غُصص الظلم ، فيمنحه أهل الدُّنيا الثقة إذا رأوا عدله . . ولا تذهبنّ بنا العاطفة كلّ مذهب ، فأمس قال مسلمٌ سفيه : إعدلْ يارسول الله!!! . قالها للنبيّ(صلى الله عليه وآله)بوّالٌ على عقبيه ، والنبيّ(صلى الله عليه وآله) هو الذي أرسى العدل السماويّ على الأرض! . فأجابه النبيُّ ، ذو الخُلق العظيم بقوله : ويلك ، إن لم أعدل أنا ، فمن يَعدل؟؟؟

أمّا القائم المهديّ عجّل الله فرجه فلا يرحم أمثال هذا السفيه الوقح على الله ورسوله . . لأنّه يعرف الناس بالتوسُّم . . فتصوّر كيف يكون حال المنافقين في دولة ينظر حاكمها إلى المنافق الذي يُبطِنُ النفاق فيأمر به فتُضرب عنقه على مرأى من الناس ودون سابق محاكمة كما سيتّضح لك في موضوع : يوم الخلاص من هذا الكتاب ، فيذهب عجبك .

ألا إنّ تَقَبُّل مثل هذا الحاكم لا تتحمّله العقول ببساطة وإذعان . . إلاّ إذا كان وعد الله ، وظهرَ الحقّ وزهق الباطل! .

أمّا متى يشاء الله الظهور؟ فإنّه سيشاؤه . .

فقد ربّى فرعون موسى تربيةً عزيزةً ـ تربية ملوك مُتربِّبين ـ دون أن يعرف شيئاً عن كُنهه ، بعد أن بقي نيِّفاً وعشرين سنة يشقُّ بطون الحبالى ليقتل موسى الذي يذهب به ، وبسلطانه ، وبربوبيّته . . والإمام القائم(عليه السلام) بيننا ، شاهدٌ علينا بما نحن فيه من كفر به وعناد لربِّه ; ونحن نراه فلا نعرفه ، تماماً كما كان موسى شاهداً على فرعون وهو يراه ولا يعرفه . . فكيف لا تَقبل أذهاننا وجوده ولو أكّده الدليل؟ بل كيف نذهب في النِّقمة على من يعترف بوجوده في حال هذه الغيبة الطويلة ، ونرميه بالسخف؟! .

فلابدّ إذن من هذه الغيبة التي حتَّمها الله وأجراها في سابق علمه ، وهي لطفٌ من الله تعالى بنا ، مثلما أنّ ظهوره ـ حين يظهر ـ سيكون ـ

أيضاً ـ لطفاً منه تعالى بنا . .

***

كيف لا نراه؟! وما فائدتنا منه غائباً؟!

قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) :

(سأله جابر بن عبدالله الأنصاريّ : هل ينتفع الشيعة بالقائم في غيبته؟ فقال :)

ـ إيْ والذي بعثني بالنبوّة ، إنّهم لينتفعون به ، ويستضيئون بنور ولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس وإن جلّلها السحاب .

(فنحن لولا ولايته التي اعتنقناها ـ تصديقاً بأقوال جدّه وآبائه الطاهرين ـ لَمَا تمسّكنا به ، ولا بها ، ولضِعنا في خِضمِّ الشك والإنكار مع من ضاع . . وإنّنا ننتفع به ـ وهو في الغيبة ـ بمعنى أنّنا نبقى منتظرين ومستعدِّين نعمل حساباً لظهوره ونخاف مِدْيَةَ عدله إذا فاجأنا ونحن على غير طريقته وفي صفِّ أعدائه ، وبمعنى شعورنا أنّنا مطالبون بالتزام خطّه وبأن لا نحيد عمّا سنَّه لنا جدُّه وأوصياؤه ، وبمعنى إعداد نفوسنا لليوم الميمون فلا نتنازل عن اعتقادنا بالولاية مع كلّ ما يلازمها ، ولا عن اعتقادنا بوجوده وإن حُجب عنّا . فلا نتقبّل أيّة فكرة لا تدور في فَلَك العقيدة المهدويّة الصحيحة ، ونتمسّك بكلّ ما أُمِرنا به حولها ، ونرفض كلّ ما عداه ; فنعيش من ثمّ ـ علماء وسوقةً ـ بأمل التشرّف بلقائه ونصره ، ونُحِبُّ العدل ونهفو إليه ، ونكره الظلم والمقيمين عليه ، ونُصلح أنفسنا لأنّنا مطالبون ومحاسَبون ، يُلقِّن ذلك الآباء منّا للأبناء ، والعلماء للجهّال ، والكلُّ للكلّ . . فنحن ننتفع به هكذا ، كما أنّ الشمس تنفع الأحياء بحراراتها حين تظهر ، وبنورها حين يصل من خلال الغيوم ويخترق الكثافات . .

هذا ، مضافاً إلى أنّنا ننتفع بتعاليمه التي قد يُعطيها لمن يُماشيه ، ولمن يجالسه ، ولمن يرافقه في الطريق ، وفي المسجد ، وفي المتجر ، وفي المجتمعات ، دون أن يُحسّ هذا المستفيدُ بأنّ هذه التعاليم صادرة عن صاحب الأمر(عليه السلام) . . فإنّه يظهر في مناسبات بين الناس ، يعرفهم ولا يعرفونه ، وينصح لهم وللإسلام دون أن يخطر ببال أحد منهم ذِكْرُ المهديّ(عليه السلام) أو كونه هو هو هذا الآمر بالمعروف أو الناهي عن المنكر . .) .

***
قال أمير المؤمنين(عليه السلام) :

ـ ألا ومن أدركها منّا ، يَسري فيها بسراج منير ، ويحذو فيها على مِثال الصالحين ، ليحلَّ رِبقاً ويُعتق رِقّاً ، ويَصدع شِعْباً ، ويَشْعَب صدعاً . يسري في سترة عن الناس ، لا يُبصر القائف أثرَه ولو تابَعَ نظره . .

(فكيف لا نُصر أثره ولو تابعنا النظر؟!! إنّها من الله ، أي أنّها مخرق للعادة ومعجزةٌ ربّانية تُغيِّبُ شخصه عن أعين القائفين . ومن يُجادل بها يجادل في قدرة الله وفي مِنَحِه وعطاياه لأوليائه . إذ كيف يغيب شخص الخضر(عليه السلام) عن الناس وهو حيٌّ يتنقّل بينهم منذ حوالي ستّة آلاف سنة بنصّ جميع الأديان السماوية؟! . وكيف كانت الغيمة تُظلِّل النبيّ(صلى الله عليه وآله) تسير فوق رأسه كيفما سار؟!! وكيف صعد المسيح(عليه السلام) إلى السماء دون مركبة فضائية وصاروخ رافع؟!! أم كيف كانت نار النمرود برداً وسلاماً على إبراهيم(عليه السلام)؟! . إنّ كلّ ذلك لا يتيسَّر تعليله للذهن القاصر ، وإن حاول تعليله بغير معجزة السماء كان ذهناً مكابِراً غليظاً . . فمن آمَن بالله وقدرته رأى هذا وأكثر منه معقولاً . . وقد قال أمير المؤمنين(عليه السلام)أيضاً :)

ـ حتّى إذا غاب المتغيِّب من وُلدي عن عيون الناس ، وباح بِفَقْدِه ، وأجمعوا على أنّ الحجّة ذاهبة والإمامة باطلة . . فوربّ عليٍّ ـ حتّى إذا بقيت الأمّة وتدلَّهت وأكثرت في قولهم : إنّ الحجّة هالكة والإمامة باطلة ـ فوربّ عليٍّ إنّ حُجّتها عليها قائمه ، ماشيةٌ في طُرقاتها ، داخلةٌ في دُورها وقصورها ، جوّالة في شرق الأرض وغربها ، تسمع الكلام وتُسلِّم على الجماعة ، وترى ولا تُرى إلى الوقت والوعد ونداء المنادي من السماء! .

(فسلام الله عليك يا ذا الإيمان الراسخ بما جاء به محمّد بن عبدالله من عند الله قبل أن تبلغ الحُلُم . . إنّ عليّاً ليتكلّم عن شيء مستقبل يقع بعد مئات السنين ، وبحزم وتأكيد ، تماماً كمن رأى وشاهَدَ ، ثمّ يُقسم يميناً على قوله ، مطمئناً آناً ، قد صدَّق الرسول ، فصدَّق بابن له يغيب ، ثمّ صدَّق بكلّ ما يُواكب غَيبته . ولم يدخل إلى قلبه شكٌّ يشبه شكوك نِفاقنا ، ولا ناقش الأخبار مناقشتنا ، ولا زاغ قلبه! . وحاشا لمثله أن يخامر نفسه الريب أو أن يرقَى إلى فكره الشكّ .

فالقائم (عليه السلام) معنا ، وبيننا ، وفي أسفار وتنقّلات ، يرى الناس ولا يَرونه ، ويدخل المجالس ولا يعرفونه ، ويحجّ ويزور ولا يميِّزونه ، وهو يتردّد في كلّ مكان وله مكان خاصّ ، لا عَجَب إذا حجبَه الله عنّا بسوء أعمالنا وبفساد ضمائرنا) .

***
قال الإمام زين العابدين(عليه السلام) :

ـ لا يطّلع على موضعه أحد من وليٍّ ولا غيره ، إلاّ الذي يَلي أمره . . (فكأنّ السجّاد(عليه السلام) يكمل حديث جدّه عنه فيقول : إنّه لا يعرف مكان إقامته مؤمنٌ به ولا مُنكِر ، سوى خادمه الذي يقوم بأُموره ويقضي حاجاته ويتولّى تدبير شؤونه . ومن يبحث عن مكان وجوده يَعُدْ بالفشل . .) .

***
قال الإمام الباقر(عليه السلام) :

ـ لابدّ لصاحب هذا الأمر من عُزلة ، ولابدَّ في عُزلته من قوّة ، وما بثلاثين من وَحشة ، ونِعمَ المنزل طَيْبَة . . (وقد رُوي بلفظه عن الصادق(عليه السلام) . وهو يدلّ صراحةً على أنّه يقضي معظم وقته في جوار جدّه رسول الله(صلى الله عليه وآله) يعيش مع ثلاثين من خدمه وخاصّته الذين كلّما مات منهم واحدٌ قام واحد ، جعلهم الله قادرين على كُتمان أمره وعَصَمَهم عن البوح بمكان إقامته ومحلّ وجوده . . وقد قال (عليه السلام)موضّحاً :)

ـ إنّ لصاحب هذا الأمر بيتاً ، يقال له : بيتُ الحمد ، فيه سراجٌ يُزهِر منذ يوم وُلد إلى أن يقوم بالسيف ، لا يُطفأ . . (ورُوري بلفظه عن الصادق(عليه السلام) . والبيت لابدّ أنّه محجوب عن الأبصار هو نوره كما حُجِب صاحبه . . محجوبٌ بهذا المعنى أو بمعنى أنّه منعزل عن الناس وعن كلّ مكان تدبُّ فيه الأقدام .

أمّا السراج الذي يُزهر طيلة هذه المدّة فله نظائر قد تمكّن من صنعها الإنسان ، كمثل شمعة الشيخ البهائي في حمّام أصفهان التي بقيت مشتعلةً مئات السنين ، ولو لم تلعب بها أيدي المخرِّبين ممّن أرادوا اكتشاف سرِّها من علماء الغرب ، لبقِيت مشتعلةً إلى ما شاء الله . . فسراجُه سراجٌ من صُنع الله . . كالشمس التي لا تُطفأ إلاّ متى شاء الله . .) .

***
قال الإمام الصادق(عليه السلام) :

ـ كيف أنتم إذا بقيتم بلا إمام هُدىً ولا علَم يُرى؟ . (وقال(عليه السلام) :)

ـ للقائم غيبتان : إحداهما قصيرة والأُخرى طويلة . فالأولى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة شيعته ، والأُخرى لا يعلم بمكانه فيها إلاّ خاصّة مواليه في دينه . (أيْ خدمه والقائمون بشؤونه . . . وقال :)

ـ للقائم غيبتان : يشهد في إحداهما المواسم (أي الحجّ والزيارات والمناسبات الدينيّة) يرى الناس ولا يَرونه . (وهي الغَيبة الكبرى . . وقال :)

ـ يفقد الناس إمامهم (أي يغيب عنهم) فيشهد الموسم فيراهم ولا يَرونه : (وقال :)

ـ إنّ الله أحكمُ وأكرُ ، وأجلُّ وأعلمُ من أن يكون احتجَّ على عباده بحجّة ، ثمّ يغيب عنه شيء من أمرهم . . (فهو يطّلع على أحوالنا يوميّاً ببساطة ترى تفصيلها في مكان آخر آت من هذا الكتاب إن شاء الله . . . وقال :)

ـ في صاحب هذا الأمر شَبَهٌ من يوسف . فما تُنْكِر هذه الأمّه أن يكون الله عزّوجلّ ، في وقت من الأوقات ، يريد أن يستر حجّته؟! . لقد كان يوسف إليه مُلك مصر ، وكان بينه وبين والده ثمانية عشر يوماً . فلو أراد الله أن يُعْرَف مكانه لقَدِر على ذلك . والله لقد سار يعقوب ووُلده عند البشارة تسعة أيّام من بَدْوِهم إلى مصر! . فما فما تُنْكِر هذه الأمّة أن يكون الله يفعل بحجّته ما فعل بيوسف ، أن يكون يسير في أسواقهم ، ويطأ بُسُطهم وهم لا يعرفونه ، حتّى يأذن الله عزّوجلّ أن يُعرِّفهم نفسه ، كما أذِن ليوسف حين قال : ((هَلْ عَلِمْتُمْ مَا فَعَلْتُمْ بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنْتُمْ جَاهِلُونَ؟ قَالُوا : أَئِنَّكَ لاََنْتَ يُوسُفُ! . قَالَ أَنَا يُوسُفُ وَهذَا أَخِي) . . (وجاء عنه(عليه السلام) بلفظ :)

ـ في القائم سُنّة من موسى ، وسنّةٌ من يوسف ، وسنّةٌ من عيسى ، وسنّةٌ من محمّد(صلى الله عليه وآله) . فأمّا سنّةُ موسى فخائفٌ يترقَّب . أمّا سنّةُ يوسف فإنَّ إخوته كانوا يبايعونه ـ أي يبيعون ويشترون منه ـ ويخاطبونه ولا يَعرفونه . أمّا سنّةُ عيسى فالسياحة . وأمّا سنّة محمّد(صلى الله عليه وآله)فالسيف .

(ثمّ ضرب هذا المثل في حديث آخر قائلاً :)

ـ ما يُنكر هذا الخلق الملعون ، أشباه الخنازير من ذلك؟! إنّ إخوة يوسف كانوا عقلاء ألبّاء ، أسباطاً أولاد أنبياء ، دخلوا عليه فكلّموه وخاطبوه وتاجَروه ورادُّوه ، وكانوا اخوته وهو أخوهم ، حتّى عرّفهم نفسه وقال لهم : أنا يوسف ، فعرفوه حينئذ . فما تُنكر هذه الأُمّة المتحيّرة؟ ما يُنكر هذا الخَلق أن يكون اصحبهم المظلوم ، المجحود حقّه ، صاحب هذا الأمر ، يتردّد بينهم ، ويمشي في أسواقهم ، ويطأ فُرُشَهم ، ولا يعرفونه؟! .

هكذا يشرح الصادق(عليه السلام) وَضْعه ; ويتابع :) لا تراه عين وقت ظهوره إلاّ رأته كلُّ عين . فمَن قال لكم غير ذلك فكذِّبوه . .

***
قال الإمام الرضا(عليه السلام) :

ـ إنّ الخضر شرب من ماء الحياة ، فهو حيّ لا يموت حتى يُنفخ في الصور . . . وإنّه ليأتينا فيسلِّم علينا فيُستمع صوتُه ولا يُرى شخصه . وإنّه لَيَحضر أينما ذُكِر ، فمن ذكره فليُسلِّم عليه . وإنّه ليحضر الموسم كلّ سنة فيقضي جميع المناسك ، ويقف بعرفَة فيؤمِّن على دُعاء المؤمنين . وسيؤنس الله به وحشة قائمنا (عليه السلام) في غيبته ، ويصل بها وحدته .

هذه دلالات من المعصومين تدلّنا إلى سبيل الخير و الهداية ، فما هي وظيفتنا؟

أمّا نحن ـ المصدِّقين ـ فننتظر . . . ونعيش بأمل شرف البقاء واللقاء على هذا العهد المعهود ، ثابتين على أوامر الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)عتقدين أنّ غياب القائم(عليه السلام)عن أبصار الناس ذمٌّ للناس ، لا للعقيدة . . وإنّنا مقيمون على ما كتبه الإمام(عليه السلام)لأحد سُفرائه ، رضوان الله عليهم :

ـ إنّا غير مُهملين لمراعاتكم ، ولا ناسين لِذكركُم ، ولولا ذلك لاصْطَلمتكم اللاّواء ، وأحاطت بكم الأعداء . .

وبالأخير ، إنّنا معتمدون على ما جاء في رسالته إلى سفيره محمّد بن عثمان رحمه الله على ما بذل وأدّى :

ـ أكثِروا من الدعاء بالفَرَج ، فإنّ ذلك فَرَجكم . . .

***

عجّلَ الله تعالى فرَجَك أيّها الغائب المنتظَر لليوم العظيم! . وجَعَل بذلك فَرَجنا وفرج الناس أجمعين كما أكّدتَ . . ووفّقنا للقيام بطاعتك ، والمثوبة بشرف خدمتك والمكث في دولتك . .

فالصبحُ بدأت تتخايل تباشيرُ بزوغه . . بإذن الله .

***
اَللُهمَّ صَلِّ عَلى وَليكَ المُنْتَظَر الإمام المَهدي وَاجعلنا مِن أَعوانِه وَ أَنصاره وَصَلِّ عَلى مُحَمَّد وَ آل مُحَمَّد.